تساؤلات ملحة حول مباحثات فيينا النووية

تساؤلات ملحة حول مباحثات فيينا النووية: سرّ التناقض بين الروايتين الإيرانية والأميركية

08 مايو 2021
الصورة
مخرجات مفاوضات فيينا لا تزال غامضة (الأناضول)
+ الخط -

انطلقت، أمس الجمعة، الجولة الرابعة من مفاوضات فيينا غير المباشرة بين طهران وواشنطن لإحياء الاتفاق النووي، وسط تفاؤل حذر وترقب شديد لمخرجاتها، لكونها على ما يبدو أهم من الجولات الثلاثة السابقة، وقد تكون جولة فاصلة وحاسمة، سواء في ما يخص نجاح المسار الدبلوماسي لإنقاذ الاتفاق المترنح أو في ما يخص فشله. 

مخرجات الجولة الجديدة ستوضح لنا مدى اقتراب أو ابتعاد إيران والولايات المتحدة من الاتفاق لإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة المبرمة عام 2015. 

ويتواتر هذه الأيام الحديث عن تحقيق "تقدم" في المفاوضات، وفي الوقت نفسه، هناك تأكيدات بأن "التحديات كبيرة" و"الخلافات ما زالت عميقة". منسوب التفاؤل لدى الجانب الإيراني عال، فالرئيس الإيراني حسن روحاني بشّر الإيرانيين الأربعاء الماضي بقرب رفع العقوبات، لكن الجانب الأميركي يتحدث عن "طريق طويل" و"بعض التقدم". 

مخرجات المفاوضات لا تزال غامضة وغير واضحة، والصورة لم تتضح بعد. فكم من مفاوضات أُجريت هنا وهناك وسط تشاؤم مسبق، انتهت إلى الاتفاق، وكم من مفاوضات خانت تفاصيل التفاؤل المرافق لها وفشلت في تحقيق نتيجة.

 فعلى الرغم من الجدية التي تبديها جميع الأطراف للعودة إلى الاتفاق النووي وتنفيذه، لكن عند ترجمتها إلى أفعال من خلال اتخاذ خطوات متبادلة للوصول إلى اتفاق، تظهر العقبات والتحديات أكثر وأكثر. والكلمة الأخيرة حينئذ تكون لشياطين التفاصيل، إن لم تتغلب عليها الإرادة القوية في لحظة حاسمة، تجسيداً لتلك الجدية وتخرجها عن مجرد عبارة فضفاضة تطلق لأغراض سياسية خاصة.

تساؤلات كثيرة تدغدغ أذهان المراقبين هذه الأيام بشأن مباحثات فيينا ومستقبلها، وهي تبحث عن إجابات مقنعة، لعل أولها عن وجود تناقضات في الروايتين الإيرانية والأميركية بخصوص نتائج المفاوضات حتى اللحظة.

 فهل يسمع الطرف الإيراني خلال المفاوضات غير المباشرة من الأطراف الوسيطةكلاماً ليس للطرف الأساسي الآخر؟ أي الوفد الأميركي المشارك برئاسة روبرت مالي. وهل تعود تلك التناقضات إلى كون المفاوضات غير مباشرة ويتدخل الوسطاء في طبيعة الرسائل المنقولة إلى هذا الطرف أو ذاك؟ أم أن التفاؤل الإيراني الكبير الذي تبديه بالأساس الحكومة، التي لم يتبق من ولايتها سوى نحو ثلاثة أشهر، له علاقة بظروف الانتخابات الرئاسية الداخلية المقررة يوم 18 الشهر المقبل، تبريراً لاستمرار المفاوضات على أمل تحصيل الاتفاق في الدقيقة التسعين، وذلك بعد تحذيرات للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بألا تصبح المفاوضات "استنزافية" و"مضيعة للوقت".  

وما علاقة متغير الانتخابات الإيرانية بالتوصل إلى الاتفاق من عدمه في هذه المرحلة؟ فهل ترضى جهات محافظة متنفذة أن تعقد حكومة الرئيس حسن روحاني، المدعومة من الإصلاحيين والاعتداليين، هذا الاتفاق خلال الفترة القليلة المتبقية حتى إجراء الانتخابات؟ أم أنها على ضوء موقفها من التفاوض من الولايات المتحدة، تفضّل أن تعقد هذه الحكومة هذا الاتفاق، لكن بعد إجراء الانتخابات، منعاً لاستغلاله انتخابيا، وأثناء فترة الشهرين بعد الانتخابات حتى تسليم السلطة التنفيذية إلى الحكومة الجديدة، والتي ستكون على الأغلب من نصيب التيار المحافظ؟ وحينئذ سيكون المحافظون هم الرابح الأكبر، إذ سينتزعون الرئاسة من الإصلاحيين ويتحكمون بالسلطات الثلاث في ظروف مريحة اقتصادياً بعد رفع العقوبات.

 وإذا فشل المسار لاحقاً، وحدثت مشاكل على أرض الواقع في رفع العقوبات بعد أي اتفاق، فإنه سيتم توجيه اللوم إلى حكومة روحاني وتحميلها المسؤولية.  

وعلى الضفة الأميركية، هل الحذر الذي تبديه الإدارة الأميركية سببه التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجهها وقلقها من تصرفات غير متوقعة، قد تضعها الأطراف الأميركية الداخلية والإقليمية (إسرائيل) في دواليب المفاوضات لإفشال أي اتفاق محتمل؟ وبالتالي، تفضّل هذه الإدارة التعامل بحذر في الحديث عن مخرجات المفاوضات قبل التوصل إلى الاتفاق والإعلان عنه. 

وبالأساس، هل تميل الإدارة الأميركية إلى الاتفاق مع رئيس إيراني سيغادر السلطة بعد ثلاثة أشهر؟ وهو في مهب هجمات المحافظين، أم أنها تفضل منح تنازلات كبيرة للحكومة الإيرانية الحالية لتمهيد الطريق أمام صعود رئيس مدعوم من الإصلاحيين في الانتخابات ليواصل نهج روحاني في تبني خيار التفاوض لحل الخلافات مع الغرب والولايات المتحدة؟ أم أن بايدن يرجح التريث لحين مجيء رئيس محافظ سيكون أقوى من الرئيس الحالي لاستمرار المفاوضات معه وعقد اتفاق أقوى معه؟ أم أن واشنطن تبحث عن ذريعة لمواصلة سياسة الضغوط القصوى على إيران، من خلال عدم الاتفاق مع الحكومة الحالية لدفع الوضع باتجاه تولي المحافظين في إيران الرئاسة، ليمنحها ذلك مسوغات للاستمرار في هذه السياسة التي أكد أكثر من مسؤول أميركي في الإدارة الحالية أنها فشلت؟  

أمّا المسألة المهمة الأخرى هي أن عمر الاتفاق النووي سينتهي في عام 2025 ومعظم القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني ستنتهي صلاحيتها في ذاك العام. فهل من المعقول ألا تفكر إدارة بايدن بمستقبل الاتفاق النووي لما بعد عام 2025 وهدفها في المفاوضات الراهنة فقط العودة إلى اتفاق 2015 الذي لم يبق من عمره سوى أربع  سنوات؟ خاصة أن إيران خلال السنوات الثلاث الأخيرة، طورت قدراتها النووية بشكل لافت بعد رفع جميع القيود "العملياتية" بالاتفاق النووي. فهل بايدن مستعد لرفع جميع العقوبات تلبية لشرط طهران من دون إزالة آثار إيقاف الأخيرة تعهداتها النووية وتمديد زمن القيود؟ 

وهل يُعقل أن بايدن الذي يفكر بدورة ثانية للرئاسة سيضع نفسه أمام تحدي انتهاء عمر الاتفاق النووي 2025 بعد أربع سنوات؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لخسارة ورقة العقوبات بالكامل من خلال رفعها كلها، في ظل إصرارها على مناقشة برنامج إيران الصاروخي وسياساتها الإقليمية؟  

والأهم، أن إحياء الاتفاق النووي الحالي بالكامل من خلال رفع جميع العقوبات على طهران سيجعل الأخيرة الرابح الأكبر في هذه الأزمة، فهل تتحمل الإدارة الأميركية تداعيات ذلك؟ وخاصة أنها بصدد إيجاد نظام جديد في الشرق الأوسط بمحورية إسرائيل، بغية التركيز على مواجهة الصين ونقل ثقل سياستها الخارجية إلى منطقة المحيط الهادئ.  

وأخيراً، على ضوء الصعوبات والتعقيدات الراهنة، لإحياء الاتفاق النووي بشكل كامل، ما مدى احتمال الوصول إلى اتفاق مبني على حلول وسط والعودة إلى الاتفاق بشكل جزئي غير كامل؟ وخاصة في ظل اقتراب نهاية الاتفاق المؤقت بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في 21 من الشهر الجاري بعد تعليق البروتوكول الإضافي الذي أحكم الرقابة على البرنامج النووي الإيراني بموجب الاتفاق النووي.  

المساهمون