تراس وسوناك.. مرشّحان نزلا من الفضاء

28 يوليو 2022
سوناك وتراس والطريق نحو زعامة المحافظين (Getty)
+ الخط -

الطريق إلى مقرّ رئيس الحكومة في "داونينغ ستريت"، لا يختلف عن المأزق السياسي الذي تمرّ به الحكومة نفسها على الساحة الداخلية منذ أكثر من سنة.

وبالمثل فإنّ السباق بين المرشّحين ليز تراس وريشي سوناك، يشبه أي شيء إلا المنافسة التقليدية على زعامة حزب المحافظين الذي ينتميان إليه، وإدارة بلد يعيش أزمات لم يسبق له أن عاشها في تاريخه الحديث.

من يتابع الوعود الانتخابية للمرشّحين والمناظرة الأولى التي عُرضت، الاثنين، على "بي بي سي"، والثانية أمس الثلاثاء ولم تكتمل بسبب تعرّض مذيعة "توك تي في" كيت ماكان بعد دقائق من انطلاقها لحالة إغماء، يظنّ أن تراس وسوناك جاءا من خارج البلاد ليتنافسا على هذا المنصب.

وبأحسن تقدير، يظنّ المتابع أنهما ناشطان في حزبين متناحرين ولم يخوضا العمل السياسي قبل هذه المنافسة، ولسان حاله يقول أين كانا طوال السنتين الماضيتين من المشاكل والأزمات التي "يتخاصمان" اليوم حول الحلول الأفضل والطرق الأنجح لمواجهتها؟

والحقيقة أنه من الصعب التصديق أنهما كانا في موقعين أساسيين وغير بعيدين من هذه المشاكل، والأهم أنهما لم يحرّكا ساكناً طوال السنتين الماضيتين.

الحقيقة تشير إلى أنهما كانا الجزء الأسوأ من الحكومة، يغضّان الطرف عن هفوات زعيمهم بوريس جونسون وأخطائه، وبعض تلك الأخطاء كان "قاتلاً" فيما يتعلق بجائحة كوفيد 19 وبالاستسهال الذي أودى بأرواح الآلاف وفي تداعياته على الاقتصاد وفي آثار "بريكست" وعدم التوصل إلى اتفاق ينقذ الحدود من شرّ غلاء الأسعار وشحّ المواد الأساسية، لقد كانا مسؤولين عن وزارتين أساسيتين في التدهور الذي وصل إليه وضع الاقتصاد وغلاء المعيشة والتضخّم وانحدار الأجور واليد العاملة والإنتاج.  

يتحدّثان في المناظرات وفي حملتيهما الانتخابيتين وكأن هذه المشاكل نبتت للتو، وكأنهما نزلا من الفضاء لحلّها، وحتى خطابهما لا يعكس شيئاً، إلا حالة العجز التي تعيشها الحكومة والانقسام الذي يشهده حزب المحافظين وانعدام الرؤية الواضحة والابتعاد عن الواقع والسعي غير المدروس للوصول إلى منصب جعله رئيس الحكومة المستقيل بوريس جونسون مُهلهلاً وقد خفّض بسلوكه طوال السنتين الماضيتين التوقّعات بشأنه. اليوم يبدو أنّ القيم السياسية اختلفت، حتى باتت صفات بديهية كالنزاهة واحترام القانون والثقة والشفافية والالتزام بالتعهدات، أموراً استثنائية وبطولية تكفي وحدها ربما للوصول إلى "داونينغ ستريت".

واليوم، فإن المرشّحين غير منشغلين إلاّ في خلافاتهما وفي رفض الخطط والحلول التي يطرحها "الآخر"، وفي المزايدة بالولاء تارة وبالخلفية النظيفة تارة أخرى، وأيضاً بمقدار التنازل أمام "ما يطلبه الجمهور" من الحزب ومن الحكومة.  

في هذا السياق، يأتي إعلان سوناك، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، عن حزمة جديدة من الدعم لمواجهة التضخّم وأزمة غلاء المعيشة تحت عنوان "خطة الشتاء".

تلك الخطة التي وصفها معارضوه من المصطفّين وراء تراس بـ"المنعطف الدراماتيكي". إذ إنّ الحزمة التي أعلن عنها المستشار السابق، كان قد رفضها أكثر من مرة عندما كان وزيراً للمالية في حكومة جونسون وسط كثير من الضغوط والدعوات للمضي بها.

في فبراير/شباط الماضي فقط، ألقى سوناك "خطبة" على أعضاء البرلمان مؤكّداً أنّ إلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الوقود المحلية سيصبّ في مصلحة الأسر الأكثر ثراء بشكل غير متناسب. 

وتتضمّن خطته الجديدة تخفيضاً مؤقتاً (لمدة عام) ومستهدفاً لضريبة القيمة المضافة مما قد يوفّر الدعم للأسر الأكثر فقراً على حد تعبيره، ويخفف بشكل إيجابي من الضغوط التي فرضتها الزيادة الهائلة في الأسعار.

هذا بالإضافة إلى تعهّده بالحدّ من الاعتماد على الموانئ الفرنسية والعمل مع أكبر المستوردين لتشجيعهم على استخدام الموانئ الهولندية والدنماركية وإنهاء الاضطراب الذي تسبّب بنقص المواد وزيادة الأسعار.

في هذا كله، لا يجرؤ سوناك ولا للحظة واحدة على الاعتراف بأنّ هذا الاضطراب جاء نتيجة منطقية لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق أو حتى دون احترام للاتفاق الذي تم التوصل إليه.

ففي هذا الخضم، كانت إجابة سوناك بـ"كلا" على سؤال "بي بي سي" المتعلق بأزمة الحدود في ميناء دوفر، وعلاقة الاختناق المروري هناك بـ"بريكست".

وسبق لسوناك أن اتّهم منافسته مراراً بتبنّيها خططاً "خيالية" و"غير مسؤولة" عندما تعهّدت بتخفيضات ضريبية غير ممولة. كما واجهها بكل ثقة بأن خطّتها هذه ستؤثر على "أطفالنا" وعلى مستقبلهم وأنها "غير أخلاقية" ومن شأنها أن تكدّس الديون على بطاقة ائتمان الدولة، متعهّداً بمواجهة التضخّم أولاً ثم الالتفات إلى خفض الضرائب.  

وتأتي هذه المبادرة الجديدة، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة التي أعقبت المناظرة الأولى بينهما قبل يومين، تقدّم تراس وتفوّقها من حيث المصداقية والثقة والأداء.

وحتى وإن كان سوناك قد اعتمد خلال الأسبوعين الماضيين على "جاذبيته" في النقاش والمواجهة والثقة أمام منافسته التي بدت متردّدة ومرتبكة وضعيفة الأداء في الكثير من الأحيان، إلا أنّ هذه العناصر لم تعد كافية لترفع من أعداد المناصرين له ضدّ تراس الأقرب على ما يبدو إلى رئاسة الحزب والأكثر ولاء لـ"زعيم المحافظين" جونسون والذي بدوره يفضّلها عن سوناك.

السؤال الذي بات طرحه أكثر إلحاحاً اليوم: "هل أنّ التغيير الجذري لسوناك في استراتيجيته سيسعفه في السباق لزعامة المحافظين والدخول إلى "داونينغ ستريت"؟