الاعتداء على موكب "الحرية والتغيير": الأمن متهم بإذكاء الانقسامات والعنف

28 يوليو 2022
من تظاهرة رافضة للانقلاب العسكري في الخرطوم،17 يوليو (محمود حجاج/الأناضول)
+ الخط -

على غير المتوقع، تعرض موكب دعا إليه تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، في الخرطوم، أول من أمس الثلاثاء، إلى اعتداء بالأسلحة وعبوات الغاز المسيل، بواسطة مدنيين، ما أثار جملة من التساؤلات عن الجهة التي تقف وراء الحادث والمغزى منه.
اعتداء على موكب "الحرية والتغيير" بوسط الخرطوم

الحادثة، وقعت في تقاطع باشدار وسط الخرطوم، وهو المكان المحدد من قبل تحالف الحرية والتغيير لتجمع موكب "السودان وطن الجميع"، للتنديد بخطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال القبلي. وعقب تجمع المئات وتوقعات بانضمام آخرين، ظهرت مجموعة من الشباب يحملون أسلحة بيضاء، وبعضهم يحمل أسلحة نارية، بحسب شهود عيان.

لجنة مقاومة الديوم الشرقية، وهى المنطقة التي تقع فيها نقطة تجمع الموكب، كانت رفضت السير خلف الحرية والتغيير

وشرع هؤلاء في قذف الموكب بعبوات الغاز المسيل للدموع والحجارة، والاعتداء على المشاركين في الموكب، بمن فيهم من سياسيين وصحافيين، على رأسهم عضو المجلس المركزي للحرية والتغيير، كمال بولاد، والذي نقل إلى المستشفى بعد طعنه بسكين في رجله. كما أصيب التجاني خضر، مراسل "التلفزيون العربي"، ومحمد أحمد الواثق، نجل الأمين العام لحزب الأمة القومي الواثق البرير.

ومع تصاعد العنف، قرّرت قيادات "الحرية والتغيير"، سحب الموكب إلى نقطة تجمع أخرى خشية وقوع صدامات دموية. لكن المعتدين لحقوا بهم، فوقعت اشتباكات جديدة عند شارع 41 في حيّ العمارات، ليتفرق الموكب وسط حالة من الاستياء لغرابة الواقعة ومخاطرها.

يشار إلى أن لجنة مقاومة الديوم الشرقية، وهى المنطقة التي يقع فيها تقاطع باشدار، نقطة تجمع الموكب، استبقت الأحداث ببيان رفضت فيه السير خلف "الحرية والتغيير"، وهددت بمنع قيام الموكب، بحجة أن نقطة باشدار ملك للجان المقاومة، وليس من حق الأحزاب السياسية إقامة منصات فيها أو أي مناشط، خصوصاً الحرية والتغيير.

لجان المقاومة ناقمة على "الحرية والتغيير"

وتتهم "قوى الحرية والتغيير"، من قبل لجان المقاومة، بالفشل في تحقيق شعارات الثورة وعدم الجدية في القصاص للشهداء أثناء فترة حكمها الممتدة من 2019 إلى 2021. كما أن هذه القوى متهمة بالتفريط في شعارات ومبادئ ما بعد انقلاب قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وأبرزها عدم التفاوض مع الانقلابيين، بعدما جلس التحالف خلال الأشهر الماضية إلى طاولة مفاوضات مع العسكر بوساطة أميركية - سعودية سعياً إلى عقد تسوية سياسية.

وبناء عليه، وبمجرد تفريق الموكب بالقوة، اتجهت الأنظار إلى لجان مقاومة الديوم الشرقية، لتحميلها مسؤولية عنف الثلاثاء. كما برزت أصوات أخرى تتحدث عن وجود جهات سياسية تقف وراء موقف لجان مقاومة الديوم الشرقية. والإشارة هنا لا تخفى إلى اسم الحزب الشيوعي السوداني، المتشدد في مواقفه من تحالف الحرية والتغيير، قبل وبعد انقلاب قائد الجيش. وكان "الشيوعي" السوداني قد أعلن عن ولادة تحالف معارض أخيراً، حمل شعار "التغيير الجذري"، ووجّه خلال الإعلان عند تأسيسه انتقادات غير مباشرة لقوى الحرية والتغيير.

لكن قيادات "الحرية والتغيير" لم توجه أي اتهام مباشر للجان المقاومة أو الحزب الشيوعي، فيما اكتفى عضو مجلس السيادة السابق، أحد قيادات التحالف، محمد الفكي سليمان، والذي شارك في الموكب، بالقول على حسابه الشخصي على موقع "فيسبوك": "لن نخُوضَ مواجهةً ضد أحدٍ سوى سلطةِ الانقلاب وحلفائها من نظامِ الثلاثين من يونيو 1989"، وهو اتهام مبطن لجهات سياسية أخرى غير الانقلاب.

قيادات "الحرية والتغيير" لم توجه أي اتهام مباشر للجان المقاومة أو الحزب الشيوعي

وأصدر تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، بياناً، أكد فيه أن مواكب الثلاثاء "أوصلت رسالة قوية وواضحة مفادها بأن الشعب يعلم أن استقرار البلاد وأمنها رهن بهزيمة الانقلاب واستكمال ثورته المجيدة". وبيّن التحالف أن "الاعتداء الغاشم على موكب الخرطوم، تمّ بواسطة عدد كبير من الأفراد يرتدون أزياء مدنية، مسلحين بالأسلحة البيضاء والمسدسات، وقد تم جلبهم وسحبهم بواسطة شاحنات وعربة نقل متوسطة، وهي دلائل تشير بوضوح إلى ضلوع الأجهزة الأمنية والفلول في الحادثة".

وأضاف البيان أن "ذلك الفعل الجبان أثبت أن الأجهزة الأمنية تستخدم تكتيكات مختلفة متوهمة قدرتها على هزيمة الثورة، وبدأت مخططها بتمهيد الطريق للتضليل الاعلامي، والتخوين والمزايدات التي تدعي الثورية". وأشار بيان التحالف إلى أن الأجهزة الأمنية "انتقلت بفعل الثلاثاء، إلى مرحلة جديدة بنشر ثقافة العنف، وهو أمر يجب ألا نتسامح معه، فالثورة لن تؤتى من قبل أبنائها وبناتها، فمعسكر الثورة واضح وظاهر، وخطابات الثورة المضادة تفضحها أقوالها وأفعالها".

لجنة مقاومة الديوم الشرقية، القطب الرئيسي في التطورات، عبّرت في بيان عن أسفها واستنكارها لما جرى مؤكدة أن لا صلة للجان أو للثوار أو للأهالي بالأحداث، لكن ذلك لم يمنعها من التأكيد على العمل لعدم تكرار ما جرى مرة أخرى من منطلق أن "الجميع، بمن فيهم اللجنة، يتحملون عواقب ونتائج ما جرى".

ودعت اللجنة إلى "التوافق والوحدة بين كل المكونات والأجسام الثورية ولجان المقاومة، وكل الجهات الساعية إلى إسقاط انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 (انقلاب البرهان على الحكومة المدنية) المشؤوم". كما نفت لجنة مقاومة ديوم الشرقية، دعوتها إلى أي عنف أو تفريق لموكب الحرية والتغيير بالقوة، بل رفضت فقط في بيانها الأول إقامة منصة في الموقع.

كما أصدر عدد من لجان المقاومة في الخرطوم، بيانات تندد وتستنكر العنف المصاحب لموكب قوى إعلان الحرية والتغيير، مشيرة إلى أن الثورة السودانية "أرست قيماً عظيمة في سلميتها وأدواتها اللاعنفية، ما جعلها تنتصر على أعتى الديكتاتوريات". كما أكدت هذه اللجان على الحقوق المدنية وحقوق المكونات المختلفة المناهضة للانقلاب بمختلف أطيافها في تنظيم الفعاليات الثورية السلمية التي تهدف إلى إسقاط الانقلاب.

رسالة الأمن والانقلاب في بريد الجميع

وتعليقاً على تطورات الثلاثاء، رأى القيادي في تحالف الحرية والتغيير، شهاب إبراهيم، إن أحداث تقاطع باشدار "هي نتاج طبيعي لخطاب استعداء الأحزاب السياسية، الذي وجدت فيه الأجهزة الأمنية مبتغاها لتوصيل رسالة في بريد الجميع".

وأشار إبراهيم إلى أن العنف "إذا بدأ، فلن يتوقف ولن يستثني أحداً، خصوصاً في ظل أوضاع هشّة ومؤسسات دولة هشّة لا تستطيع حماية المواطن". وحثّ قوى الثورة "على توحيد خطابها السياسي ضد الانقلاب الهادف بكل ما يملك إلى تحويل الثورة لعنف بين المدنيين أنفسهم، والمجتهد لتفكيك الحركة الجماهيرية ووضعها في جزيرة معزولة".

شهاب إبراهيم: الاعتداء هو نتاج طبيعي لخطاب استعداء الأحزاب السياسية، الذي وجدت فيه الأجهزة الأمنية مبتغاها

وأرجع ابراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، حادثة تقاطع باشدار، إلى البيان الصادر عن لجان مقاومة الديوم الشرقية، مبيناً أن تحالف الحرية والتغيير "لا يريد توجيه الاتهام للجان المقاومة ككل لأنه يدرك حجم مخططات ضرب الثورة في مقتل".

وأقرّ القيادي في تحالف الحرية والتغيير، بـ"وجود فجوة بين الشارع والتحالف، تسببت فيها فترة مشاركة التحالف في السلطة الانتقالية، وهو ما نسعى إلى علاجه، وقد بدأت ذلك بتعاملها بمسؤولية كبيرة مع الشارع".

من جهته، قال عضو تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم، عثمان سر الختم، إن الذي جرى يوم الثلاثاء، "أمر مؤسف ويتناقض مع مبادئ الحرية والسلام والعدالة التي انتفض لأجلها الشعب السوداني". وبيّن أن "لجان المقاومة لطالما دانت استخدام السلطات الانقلابية لأدوات العنف، وبالتالي لن تقبل به من أي جهة أخرى".

وعزا سر الختم، في حديث لـ"العربي الجديد"، الأحداث، إلى وجود جهات، لم يسمها داخل لجان المقاومة، "ترغب في توسيع الفجوة بين اللجان والأحزاب السياسية".

وأكد أن المستفيد من ذلك الوضع "هو المجلس الانقلابي وفلول النظام البائد"، منبهاً إلى أن لجان المقاومة "رفضت مسلك العنف الأخير وأصدرت بيان الإدانة، لأنها مؤمنة بأن الشوارع ليست ملكاً لجهة بعينها، ومؤمنة كذلك بحق الجميع في التعبير والتظاهر".

ووعد سر الختم بـ"الاجتهاد في توحيد قوى الثورة المناهضة للانقلاب العسكري وتشكيل جسم موحد، ما يساعد على ردم الفجوة الحالية بين المكونات الثورية، عدا تقوية البناء التنظيمي واللائحي داخل اللجان".

من جهته، رأى الطاهر ساتي، رئيس تحرير صحيفة "اليوم التالي"، عكس ذلك كلّه، وحمّل "الحرية والتغيير" المسؤولية لـ"نشرها ثقافة العنف المدني طوال السنوات الماضية، وهي الآن تحصد ثمار زرعها"، على حد تعبيره.

وأضاف ساتي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "كل المجموعات الشبابية التي تنتهج منهجاً عنيفاً في تعبيرها، تربت تحت كنف ورعاية الحرية والتغيير، وأقدمت من قبل على تنفيذ عنف في وقائع عديدة، أبرزها الاعتداء على اجتماع لحزب المؤتمر الشعبي في صالة قرطبة (إبريل/نيسان 2019)، وهي الواقعة التي لم يدنها التحالف، إضافة إلى الاعتداء على الطرقات والسيارات، وكلّها جاءت في مناخ عنف تبناه التحالف.

وأشار ساتي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى ضرورة أن "تعي قوى إعلان الحرية والتغيير الدرس، ويعود إليها الوعي، وتقتنع بأن الحوار هو الحل، وأن تتحول من عقلية النشطاء إلى عقلية سياسية راشدة وواعية". وحول إمكانية استغلال السلطة الانقلابية لحالة الخلاف المدني المدني وتغذية ذلك العنف لأهدافها، ذكر ساتي أنه "ليس من المؤكد تورط السلطات في الحادثة"، قبل أن يستدرك بقوله: "لكن في ظلّ مناخ العنف الحالي، كل شيء وارد، ومن صنع المناخ عليه تحمل المسؤولية".

وأوضح رئيس تحرير صحيفة "اليوم التالي"، أن حالة الاستقطاب الحادة وسط المدنيين "ستمنح المكون العسكري عمراً إضافياً في السلطة، بل ستعطيه فرصة لفرض سلطة عسكرية كاملة، وهو أمر غير مستبعد خلال الأيام المقبلة، لاسيما مع انسداد الأفق السياسي وتوقف الحوار".


 

المساهمون