اتفاق تطبيع الأوضاع في سنجار العراقية: عربون التقارب بين الكاظمي والأكراد

22 أكتوبر 2020
الصورة
من لقاء سابق بين الكاظمي ومسرور البارزاني رئيس وزراء إقليم كردستان (تويتر)
+ الخط -

للأسبوع الثالث على التوالي، يواصل اتفاق تطبيع الأوضاع في مدينة سنجار بمحافظة نينوى شماليّ العراق، الذي أبرمه رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي مع حكومة إقليم كردستان، تصدّر الاهتمامات السياسية في البلاد، الذي من المفترض له أن ينهي النزاع بين بغداد وأربيل بشأن البلدة التابعة لمحافظة نينوى، حيث يثير الاتفاق مخاوف أطراف سياسية من "صفقة" يسعى من خلالها الكاظمي إلى الحصول على دعم كردي له في الفترة المقبلة.

وبينما تؤشر المعطيات على صعوبة تطبيق الاتفاق فعلاً على أرض الواقع، ولا سيما مع وجود فصائل تابعة لـ"الحشد الشعبي" في البلدة، التي ترفض الخروج منها، إلا أن مراقبين رأوا أنّ الخطوة مهّدت لتقارب بين الكاظمي والأكراد.

ووفقاً لعضو في البرلمان العراقي، فإنّ "الاتفاق جاء بعد حوارات غير معلنة بين الكاظمي والقيادات الكردية، لأجل حسم الملف، انتهت بإبرام الاتفاق"، مبيناً، لـ"العربي الجديد"، أنّ "الكاظمي لم يبحث الملف مع القوى الأخرى في بغداد، ولم يأخذ رأيها، ولا سيما أنّ الاتفاق حقّق تقارباً كبيراً بينه وبين الجانب الكردي، بعدما عجز رؤساء الحكومات السابقة عن حل الملف".

وتحدث النائب الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، عن وعود كردية حصل عليها الكاظمي لدعم حكومته، وأي تحرك سياسي له في المستقبل، مع استمرار العمل على حسم الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، مشيراً إلى أنّ "الاتفاق لم يطبَّق على الأرض حتى الآن، لكن يمكن اعتباره اتفاقاً سياسياً ضيقاً أكثر من كونه تفاهماً وطنياً عاماً حيال مدينة مهمة في العراق".

النائب عن "تحالف النصر"، رياض التميمي، أكد لـ"العربي الجديد"، أنه "سيجري الوقوف ضد أي تحالف يُبنى على أساس تحقيق مكاسب شخصية على حساب مصلحة الشعب"، مبيناً أنّ "على الكاظمي أن يعلم أن دعم الأكراد له في الحكومة الحالية والانتخابات القادمة لا يعني شيئاً، إذا ما كان هناك توافق مع القوى الشيعية الأخرى".

وأضاف أن "أي تقارب مبنيّ على المصالح سيكشف، وعلى الكاظمي أن يكشف للجميع تفاصيل التفاوضات التي أجراها وبأي طريقة تمت بها"، معتبراً أنّ "اتفاق سنجار مبهم، ولا أحد يعلم تفاصيله، وقد سمعنا به من خلال الإعلام فقط، لذا يجب أن تتحمل الحكومة مسؤولية توضيح تفاصيله، وإعلام البرلمان والقوى السياسية بها، وعدم التكتم عليها".

وأشار إلى "وجود شكوك كبيرة بشأن الاتفاق لدى الكتل السياسية، وأن تشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والأكراد، أمر مستغرب يزيد من الشكوك لدى الكتل، ويثير تساؤلات بشأن مستقبل المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل".

النائب السابق عن "تحالف القوى العراقية"، علي المتيوتي، قال إنّ الاتفاق جاء تلبية لمطالب الأكراد وطموحاتهم، مبيناً لـ"العربي الجديد" أنّ "الاتفاق بشأن سنجار تجاهل مكونات أصيلة بهذا القضاء، وإذا ما كان عربون عمل مستقبلي بين الحكومة والأكراد، فهو تنقصه مباركة المكونات الأخرى".

وأكد المتيوتي أنّ "التوافق بشأن سنجار جاء تلبية لمطالب القوى الكردية. نحن نؤيد الاتفاق لو كان يحمل الروح العراقية الخالصة، وعدم تهميش المكونات الموجودة في البلدة، لكن للأسف لم يكن اتفاقاً بمستوى المسؤولية"، مشدداً على أنه "كان من المفترض أن تعلم الحكومة القوى السياسية به وبتفاصيله، وأن لا تتركه مبهما".

ودعا إلى "تصحيح ورقة الاتفاق التي تجاهلت مكونات أخرى، وإلا فإن نسبة نجاح الحكومة بتطبيقه على أرض الواقع ستكون ضعيفة جداً".

المتيوتي: إذا ما كان اتفاق سنجار عربون عمل مستقبلي بين الحكومة والأكراد، فهو ينقصه مباركة المكونات الأخرى

الجانب الكردي نفى أي دوافع سياسية تكمن وراء الاتفاق، معتبراً أنه يأتي تطبيقاً للبرنامج الحكومي الذي وعد بتطبيقه الكاظمي.

وقال القيادي في "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، ماجد شنكالي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الكاظمي يدرك أنّ مشكلة سنجار لن تحل إلا بالاتفاق، لأن أكثر أهالي سنجار نازحون في بغداد ومناطق أخرى، وأن أحد أهم برامج حكومة الكاظمي، إعادة النازحين"، مبيناً أنّ "الكاظمي عقد هذا الاتفاق مع الإقليم لإعادة الاستقرار إلى المنطقة أمنياً وسياسياً".

وأكد شنكالي أنّ "الحديث عن مكاسب سياسية يحققها الكاظمي مع الأكراد من خلال الاتفاق، تطلقه الجهات التي خسرت الكثير من مكتسباتها من جرّاء الاتفاق، وهي تريد أن تبقى في سنجار لتحقيق مكاسبها من التهريب والسيطرة على أملاك البلدة ومقدراتها".

وأشار إلى أن "السياسة هي فن الممكن، لا عدو دائماً فيها، ولا صديق دائماً، وأن النتائج الانتخابية هي التي تحدد شكل التحالفات المقبلة"، مشدداً على أنه "لا يمكن المراهنة على تحالفات مبكرة من الآن، لأن الكل يعلم أنه بعد عام 2016، وبكل العداء الذي حصل بين الإقليم والكتل الشيعية المؤيدة للحشد الشعبي، لكنهم بالنهاية كانوا الأقرب بتشكيل الحكومة".

وتابع: "لا يمكن أيَّ جهة أن تجمّد الاتفاق، لكن ستكون هناك صعوبة بتنفيذه، خاصة أن هناك فصائل حزب (العمال الكردستاني) حفرت سابقاً الأنفاق والثكنات العسكرية بالبلدة في وقت سابق، وأن ذلك جاء ضمن تخطيطها لعدم الخروج من البلدة"، مرجحاً "عدم إمكانية انسحاب عناصر الحزب إذا لم يحدث ضغط دولي ومن جانب الولايات المتحدة الأميركية وتدخّل إقليمي".

ورجّح أن "يرضخ الحشد الشعبي بالنهاية لإرادة الحكومة بتطبيق الاتفاق، ولا سيما أن هناك حوارات سياسية تجري بين الإقليم والجهات الممثلة للحشد بشأن الملف"، مشيراً إلى أن "المشكلة الأصعب تكمن بإمكانية أن تدفع الكتل المتضررة من الاتفاق عناصر حزب العمال إلى البقاء في البلدة، لكي تسبب مشاكل وتعرقل تنفيذه".

مراقبون اعتبروا "الاتفاق سلاحاً ذا حدين"، وأنّ تقارب الكاظمي مع الأكراد يأتي على حساب إمكانية تقاربه مع القوى الشيعية.

وقال الخبير السياسي، باسل العوادي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الكاظمي أدرك صعوبة التقارب بينه وبين القوى الشيعية، التي تصفه بأنه قريب لواشنطن، وترفض بقاءه، لأنها تعتبر أداءه تجاههم ليس بالمستوى المطلوب".

وأكد أن "القوى الكردية تريد أن تستعيد بعض ما خسرته من الحكومات السابقة، ما دفع الكاظمي إلى التقارب معهم بإبرام الاتفاق مقابل الحصول على دعمهم له"، مبيناً أنّ "الاتفاق سيواجه صعوبة في التنفيذ، لكنه أسّس لتحالف وتقارب بين الكاظمي والأكراد ، سيكون محوراً لدعمه في المرحلة المقبلة، شرط حصول الأكراد على ضمانات بشأن الملفات العالقة الأخرى".

يشار إلى أن الحكومة العراقية توصلت أخيراً إلى اتفاق مع حكومة كردستان على تطبيع الأوضاع في بلدة سنجار (المتنازع عليها بين الحكومتين) ذات الغالبية الأيزيدية، مبينة أنّ الاتفاق ينهي سطوة الجماعات المسلحة في البلدة، ويعيد الاستقرار فيها.

وتقع مدينة سنجار شمال غرب الموصل، ضمن محافظة نينوى، وتبعد نحو 50 كيلومتراً عن الحدود مع مدينة الحسكة السورية، و70 كيلومتراً عن الحدود التركية، وتضمّ ثلاث نواحٍ وأكثر من 60 قرية، وهي خليط من العرب المسلمين من عشائر شمر وعبيد، والعرب المسيحيين، ومن التركمان والأكراد الأيزيديين، وهناك كذلك قرى آشورية ضمنها. 

وتعرضت المدينة لواحدة من أفظع جرائم "داعش"، إذ سبى التنظيم آلاف النساء والأطفال، وقتل المئات من الرجال عندما تمكن من احتلال المدينة في عام 2014، قبل أن تتمكن قوات "البشمركة" الكردية والتحالف الدولي بقيادة واشنطن من تحريرها بعملية استمرت أسابيع عدة شاركت فيها وحدات من حزب "العمال الكردستاني".