2020 .. القلق الكوني والأزمة الوجودية الحادّة

2020 .. القلق الكوني والأزمة الوجودية الحادّة

31 ديسمبر 2020
+ الخط -

ستبقى سنة 2020 أسوأ سنة في عصرنا، وعلامة صارخة على أزمة وجودية حادة. إنها سنة كل المفاجآت غير السارّة. فيروس مجهري، لم يعرف مصدره وموطنه الحقيقي، روّع البشرية قاطبة، وزعزع اقتصادات العالم، وشل شتّى المؤسسات، وقلّص الحريات الفردية بشكل غير مسبوق، كما غيّر جذريا حياة المجتمعات والعلاقات بين الأفراد، وهزّ منظومة القيم والأخلاق، وعرّى هشاشة منظومات صحية وتعليمية في دول عديدة.

قبل سنة فقط، كان الناس يسافرون ويتجولون كما يشاؤون، ويتجمعون بالآلاف في مختلف المناسبات. كانوا يحتفلون بأعياد رأس السنة، ويرقصون ويغنون في الأعراس والسهرات. وكان الآلاف من المشجعين يحجّون إلى الملاعب، ليمارسوا طقوسهم في الابتهاج والمساندة. كانت البشرية تفعل هذا، من دون أن تدرك أنها كانت تمارس حرية أساسية، افتقدت معناها وقيمتها اليوم.

بسبب فيروس كوفيد 19، أصبح مستقبلنا على كفّ عفريت، ومشوبا بالغموض والخوف وعدم الثقة. أصبحنا نعيش أقصى درجات الشك، من دون القدرة على توقّع ما يحمله هذا المستقبل، على الرغم من الأمل الكبير الذي نتشبث به، بفضل التوصل إلى اكتشاف لقاحات من المفروض أن تخلصنا وتنقذنا من هلاك محتمل، وتساعدنا على العودة إلى الحياة العادية والطبيعية. سنة من الهلع والحيرة والعجز والمشاهد المؤلمة، حتى الأطباء أصيبوا بالذهول، وهم يواجهون تدفقا جبارا لمئات الإصابات، كثير منها في وضعية حرجة. كانت الصور تنشر وتبث وهي موغلة في الرعب. كانت غرف الإنعاش تبدو أشبه بمقبرة إلكترونية، وأثّرت صور المستشفيات المملوءة عن آخرها، ونداءات طلب الإغاثة من أشخاص مسنين منكسرين، على كل المجتمعات، وكأننا أصبحنا أمام مشهدٍ قيامي، يُنذر بالنهاية الحتمية للبشرية. وزادت طقوس دفن ضحايا الفيروس التاجي التوسّعي من حجم الهلع. رحلوا ويرحلون في صمت، ويدفنون بعيدا عن أنظار أفراد أسرهم. كانت سيارات الإسعاف وسيارات نقل الموتى كافيةً لتقنعنا، عبر أعدادها الهائلة وأصواتها المخيفة، بأننا مطالبون بأعلى درجات الحيطة والحذر، والبقاء في المنازل، والتقيد الصارم بإجراءات السلامة الصحية.

تحتاج البشرية إلى تفسير جديد للعالم، بدون خديعة أخلاقية أو خدعة تحوّل اتجاه البصر والبصيرة

ويشهد الجميع أن فيروس كورونا المستجد أصاب الديمقراطية التمثيلية، بما في ذلك في الدول التي اعتبرت مهدا تاريخيا لأعرق الديمقراطيات، فقد ألحق شللا مزمنا بمؤسسات هذه الديمقراطية. أغلقت البرلمانات، وتوقفت آلة التشريع والرقابة. وأغلقت المؤسسات التعليمة بكل مستوياتها، وأصبح التعليم عن بعد البديل الأوحد والضروري، لضمان عملية التكوين والتفاعل بين أطقم التدريس والمتعلمين. كما أغلقت الملاعب والمعامل، وتوقفت حركة الطيران وماتت السياحة. وتحولت المدن في مختلف مناطق العالم إلى فضاءاتٍ يؤثثها الصمت والتردّد والانتظار الصعب. ولم تسلم الصحافة من تداعيات الجائحة، عندما قرّرت مئات المؤسسات التوقف عن إصدار الطبعة الورقية، والاكتفاء بالصيغة الإلكترونية. وتوقفت المسارح وقاعات السينما والعروض والحفلات عن أنشطتها. وحلّت المكتبات الإلكترونية محل المكتبات الواقعية، ولم يجد المثقفون والخبراء وصنّاع الرأي من وسيلة للتناظر والنقاش حول الجائحة، غير منصّات التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي، وأفلست مشاريع كثيرة وأجهضت أحلام غفيرة. وشرّدت آلاف الأسر، وفقد ملايين من العمال والموظفين مناصبهم ومصادر عيشهم، خصوصا في البلدان التي تجبّرت فيها الرأسمالية المتوحشة.

وظهر جليا أن شبكات التواصل الاجتماعي خلخلت سوق الأخبار بشكلٍ يكاد يكون شاملا وتاما، فالوباء حدّ من تدخل الخبراء والعلماء، ما أفسح المجال أمام هذه المنصّات لتنشر كمية وافرة من الأخبار الكاذبة، لأنها ليست منصّاتٍ للأخبار المحايدة، فهناك خطر كبير للتعرّض لتأثيراتٍ وتوجيهاتٍ تمليها مصالح وأجندة معينة. وباتت الأخبار والخطابات الأكثر تداولا وانتشارا وجاذبية التي يتم تسويقها وتوزيعها بين رواد ونشطاء، يعتقدون، بقوةٍ لا مراء فيها، أن الوباء من صنع البشر، وجد لسحق الفقراء في إطار مؤامرةٍ دبّرها أغنياء الكرة الأرضية. وهكذا انتعش الكذب ونظرية المؤامرة. لقد ساءل الوباء، بعمق، السياسة والعلوم والمنظومات الصحية والاختيارات التربوية والأولويات في السياسات العمومية. وهكذا طرح من جديد معنى فن الحكم، وتساءل الناس عن القرار الصائب الذي يجب أن تتخذه الحكومات، فخلال كل مراحل الوباء التي مرت بها البشرية، لم تكن الحكومات ملتزمةً بالقدر الوافي من الشفافية بشأن الأسئلة وعلامات الاستفهام التي طرحها الرأي العام في مختلف الدول، فالسلطات كانت منشغلة، في المحل الأول، بطمأنة الجمهور وتهدئة الحشود. ولم تسلك مسلكا أو طريقا عقلانيا، فقد تحدّثت بلغة الشك. وبدا واضحا أن ما يضعف الديمقراطية أنها لم تحقق كل أهدافها. ووقع تحول راديكالي في معنى الديمقراطية نفسها ودلالتها، وأصبحت المواجهة حادّة ومستعرة بين المصالح، وتغير مفهوم ثنائية يمين يسار والأنظمة الشمولية والمستبدّة.

استعمل فيروس كوفيد 19 محفّزاً لنشر الشك وعدم الثقة، ومسرّعاً لارتياد آفاق قناعاتٍ جديدة، والانتماء إلى معسكر نظرية المؤامرة

فاضت الاستعارات وتدفقت المجازات وحدثت انزياحات كثيرة في السياقات كافة، فانتقلت العدوى إلى المجالات، السياسي والإعلامي والثقافي. ومال عديدون من كتّاب الرأي والمعلقين والإعلاميين والمثقفين إلى استعمال كلمة الفيروس واللقاح، في المجالات التي ينشطون فيها. وفاقم الوباء الشعور بعدم الثقة الذي فخخ منذ سنوات عددا من الأنظمة السياسية الديمقراطية. واستعمل فيروس كوفيد 19 محفّزا لنشر الشك وعدم الثقة، ومسرّعا لارتياد آفاق قناعاتٍ جديدة، والانتماء إلى معسكر نظرية المؤامرة. واشتعلت هذه الأفكار على فضاءات شبكات التواصل الاجتماعي بطريقة صادمة. وأنتج الفيروس فصيلةً جديدةً من بائعي الشروحات والتفسيرات ومسوقي رؤيةٍ مسكونةٍ بالرهابات والصور المخيفة إزاء تقدّم الفيروس وانتشاره وغزواته الكاسحة، فقد غرق العالم في وضعيةٍ غير مسبوقة وفارغة من المعنى وصعبة ومحيرة، فالبشرية كانت تحتاج إلى تفسير وإقناع وشرح اللاعقلاني والخرافي والغيبي والشعبوي الذي بدا لكثيرين عقلانيا وواقعيا. وأكيد أن جهودا جبارة بذلت هنا وهناك، لطمأنه البشرية. وربما اجتراح نظرية جديدة مقلقة ومفارقة للمعنى. وهي محاولاتٌ لامتصاص القلق الكوني الذي أفرزته الوضعية الوبائية المرعبة، القلق الذي ساهم في مضاعفة الوجع الوجودي والارتباك النفسي، خصوصا وأن تصريحات الخبراء وتفسيراتهم بدت متباينة، وأحيانا متنافسة، وباعثة للهلع والتوتر، ما جعلها لا تلعب دورا رياديا في توحيد الرؤى، سيما في المراحل الأولى للوباء.

تحتاج البشرية إلى تفسير جديد للعالم، بدون خديعة أخلاقية أو خدعة تحوّل اتجاه البصر والبصيرة، وبدون أحكام مبنية على تأويلات وتعليلات غير مقنعة وغير متماسكة، فقد نما الشك واتسعت دائرته تجاه المؤسسات الكبرى، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي والحكومات واللوبيات، وكذا المختبرات التي دخلت فيما يشبه حرب مصالح حامية الوطيس، بسبب هاجس الربح الذي يسيّل لعابها.

مرّت سنة على ظهور جائحة كورونا، ولا أحد في هذا الكوكب كان يتوقع أنه بعد 12 شهرا سيكون الفيروس التاجي سببا مباشرا في وفاة أكثر من مليون ونصف مليون شخص، وإثارة أخطر أزمة صحية عالمية منذ حوالي قرن. وحتى إذا توصل العلماء إلى اكتشاف لقاحاتٍ فعّالة وقادرة على الحد من انتشار الفيروس وتفشيه، فإن أصل الفيروس وموطنه سيظل لغزا محيرا.

حدّ الوباء من تدخل الخبراء والعلماء، ما أفسح المجال أمام منصّات كثيرة لتنشر كمية وافرة من الأخبار الكاذبة

وكان لافتا أن المسافة الزمنية بين ظهور إصابات مزمنة وغامضة في الجهاز التنفسي في مدينة ووهان الصينية ونشر معلومات مفصلة عن الجينوم قصيرة جدا، ولكن السلطات الصينية مارست، بسرعة فائقة، ضغوطها على المختبر الذي أجرى البحث، قصد تأخير نشر هذه المعلومات الأساسية، في أي عمليةٍ تسعى إلى ضبط الفيروس وتعيين هويته ومصدره. ومنذ ذلك التاريخ، اتهمت الصين بتنصّلها من واجب التعاون العلمي لتحديد الأصل الحقيقي للجائحة، وظل الخبراء على مسافة من الموضوع، والذين أطلقوا صفارات الإنذار، تم تخويفهم وتهديدهم بالعقوبات. وكان أمل سلطات بكين أن يتواطأ الصحافيون مع مقاربتها في التعاطي مع الجائحة، لكن الوازع الأخلاقي والواجب المهني حالا دون تحقق ذلك.

حاولت الصين دفع كل الشبهات عنها، وخاضت حربا إعلامية ودبلوماسية لدحض ما كان يغرّد به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي استعمل، منذ اللحظات الأولى، مصطلح الفيروس الصيني. وقد حار العلماء والخبراء في تحديد مصدر الوباء، وتشعبت مسالك البحث، بعد أن اختلطت بالسياسة. أسئلة كثيرة طرحتها البشرية، ولكن لا أحد استطاع تقديم الجواب الشافي والمقنع، أو رجّح هذه الفرضية على تلك، في غياب تحقيقٍ يستند إلى الشروط العلمية الضرورية والملائمة.

وفي خطوةٍ قد تبدّد بعض الشكوك، شكلت منظمة الصحة العالمية، أخيرا، فريقا من الخبراء الدوليين، من المقرّر أن يتوجه إلى الصين في مسعى لتبديد الغموض الذي اكتنف الجائحة ومحاولة حل اللغز، في مبادرةٍ، على الرغم من أهميتها وضرورتها، جاءت متأخرة. لأن السلطات الصينية حرصت باستمرار على إجهاض مهمةٍ من هذا القبيل، والتزمت سياسة الصمت والتستر، وحدّدت مسبقا مساحات تحرّك فريق الخبراء الدوليين، حيث لن يتجاوز الاشتغال على الفرضيات المقدّمة من السلطات الصحية الصينية التي صادق عليها مسبقا الجهاز السياسي الحاكم. ويبدو هذا الموقف مستفزّا وغير مقبول من القوى العظمى، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا، بالنظر إلى عدد الوفيات والخسائر المهولة التي أحدثتها الجائحة على الأصعدة كافة.