وقف إطلاق النار

وقف إطلاق النار

19 نوفمبر 2023
+ الخط -

بعد 43 يوما من القصف المركّز على قطاع غزّة، مال جزء كبير من الرأي العام العالمي لصالح الشعب الفلسطيني، فقد تسبّبت كثافة القصف بآلاف القتلى والمشرّدين، وهدمت مدنا بأكملها، ما نقل التعاطف إلى الجانب الفلسطيني، وأصبحت المظاهرات الكثيفة تجوب شوارع العواصم في العالم ترفع شعارات إنسانية بالدرجة الأولى. ورغم التعاطف الشعبي، لم تتغير وجهات النظر لدى الدول الرئيسية وأعضاء مجلس الأمن الغربيين من العملية العسكرية التي تقوم بها إسرائيل، فبالدرجة الأولى "تناضل" الولايات المتحدة ضد أي حديثٍ عن وقف إطلاق النار، وسبق لها أن أحبطت مع شركائها عدّة مشروعات قرارات بهذا الخصوص، وبذلك تتبنّى الولايات المتحدة موقف إسرائيل بشكل كامل. ورغم أن حديث مسؤولي السياسة في أميركا مليء بتلميحاتٍ وتصريحاتٍ أحيانا عن حقوق المدنيين وضرورة تحييدهم من عمليات القصف، ولكن من دون تقديم أي مقترح لحلّ المفارقة بين دوام القصف على أحياء المدنيين وحمايتهم في الوقت نفسه. ولتبرير موقفها، اقترحت الولايات المتحدة وقفا متقطّعا لإطلاق النار عدّة ساعات يوميا، وتقول إن هذه المدّة تتيح توصيل المساعدات الإنسانية، وتتيح عمليات الإجلاء التي تقوم بها إسرائيل في شمال غزّة. لا يقدّم تبنّي مثل هذا القرار، وحتى تطبيقه، أي حمايةٍ للمدنيين، فالقصف سيعود على الأماكن نفسها، والحصيلة الإنسانية لهذا الهجوم مروّعة، وهي واحدة، في حال استمرّ القصف أو توقف عدّة ساعات يوميا.

ترفُض إسرائيل بشدة وقفا لإطلاق النار من أي نوع، وعارضت طلباتٍ أميركية عديدة جاءت عبر وزير الخارجية الأميركي، بلينكن، وعبر الرئيس بايدن، لأنها لا تعرف ماذا ستفعل في اللحظة التالية لمثل هذا التوقف. وكانت القيادتان، السياسية والشعبية في إسرائيل، قد أعلنتا الحرب، وأعلنتا أهدافهما الخاصة التي كان أولها تدمير حركة حماس وتفكيكها واستعادة من تم نقله إلى قطاع غزّة من الإسرائيليين خلال عملية 7 أكتوبر. لم يصبح متاحا فك شيفرة تنظيم حماس في غزّة، وتدري إسرائيل أن صعوبة كبرى تواجهها في هذا الخصوص، ولذلك تطلب وقتا كثيرا. وقد تردّدت، مرّات، على ألسنة مسؤولين إسرائيليين عبارة إن الحرب طويلة. لذلك يبدو وقف إطلاق النار في مثل هذا الظرف مخيفا للطبقة السياسية الحالية، أو ما اصطلح على تسميتها الحكومة الأكثر تطرّفا في إسرائيل، فقد برهنت أحداث 7 أكتوبر عن فشل أمني ذريع لهذه الحكومة، ووقف إطلاق النار من دون تحقيق أي هدف سيبرهن فشلا عسكريا كبيرا لها، وسيتيح الوقت اللازم لقادة المعارضة الذي انضمّ بعضهم إلى الحكومة، ولم يتوقفوا لحظة عن انتقادها، للانقضاض عليها وإسقاطها، وسيكون إسقاط نتنياهو تحصيلا لحاصل.

تتمسّك حكومة إسرائيل بإطالة الحرب، لأن في ذلك إطالة لعمرها في سدّة الحكم، وتمديدا لنتنياهو في قيادة الحكومة. وليس هدف التباطؤ في العمليات البرّية عسكريا فقط، فله هدف سياسي في الوقت ذاته، هو إيجاد مزيد من الوقت للحكومة، للوصول إلى ما يمكن أن يُعدّ انتصارا لها، وتقف الولايات المتحدة معها بقوة، رغم أن إدارة بايدن كانت على خلافٍ علنيًّ مع حكومة نتنياهو، إلى أن جاء هجوم 7 أكتوبر بوابةً لإعادة العلاقات الحميمة بين الطرفين. تدرك إدارة بايدن أنها في موقف حرج عندما تدعم إسرائيل بهذا الشكل، لجسامة الثمن الإنساني الذي يتم دفعه، وهي تستعد للدخول في العام الانتخابي، وبايدن يحضّر نفسه لفترة ثانية. وتريد هذه الإدارة أن تهدئ من مشاعر الجمهور باقتراح الهدن المتقطعة والسماح ببعض الإعانات بالدخول بين حين وآخر. ورغم التطابق الظاهر في مواقف إسرائيل والإدارة الأميركية من "حماس"، فإن أسلوب العلاج يختلف بينهما، كلٌّ وفق مصالحه الداخلية، ما يرشّح الحرب للاستمرار، سواء بوقفات متقطّعة للنار أو دونها، وثمن كليهما باهظ جدّا.