وسوى إسرائيل "إسرائيلات"

وسوى إسرائيل "إسرائيلات"

26 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

قبل أن نعرف لماذا اختار بعض الأسرى الفلسطينيين المتسلّلين من سجن جلبوع تجنّب اللجوء إلى أي دولة عربية أو مناطق السلطة الفلسطينية، واختاروا عوض ذلك العودة إلى مناطق الداخل التي لا تسيطر عليها سوى إسرائيل، علينا أولًا أن نرصد طرازًا آخر من المنازلات التي تدور في حلبات الملاكمة والمصارعة، لنعرف السبب.

في الواقع، ثمّة خساراتٌ لا تلحق باللاعبين في مضامير المنازلة، بل بالجماهير التي اختارت من المشهد كله مقاعد الفرجة فقط، تاركة "مسافة أمان"، تقيها شرّ الضربات، وتُبعدها من تداعيات الحرج والخجل. وفي العادة، تخيّم العتمة على صفوف مقاعدهم، فيما يسلط الضوء الباهر على الحلبة وحدها. ومن أخلاق العتمة أنها تُخفي كلّ شيء، وتترك مساحاتٍ خاليةً للبطولات الوهمية التي لا يراها غير صاحبها، كأن يحاول المراقب محاكاة الأبطال على الحلبة، بلكم الهواء والخواء.

هذا على صعيد المنازلات والمغالبات في الحلبات. أما في ساحة النضالات الوطنية، فالأمر مغاير بعض الشيء. صحيحٌ أن هناك لاعبين وجماهير، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الجماهير، سيما العربية منها، يحرص أيضًا على "مسافة الأمان"، وعلى المحاكاة الوهمية في العتمة، كبالون ينتفخ وينكمش، تبعًا لمجريات المعركة الدائرة على الحلبة. وهذا النوع من الجماهير معلوم، ويمكن التنبؤ بسلوكه. غير أن ثمة فئة أخرى من المراقبين الذين يقترن انكماشهم وانتفاخهم بانكسار الخصم أو انتصاره؛ لأنهم، في أعماقهم، يؤازرون العدوّ على بني الجلدة، وهؤلاء يتمثلون بأنظمة التطبيع وسلطة أوسلو، ومشايعيهم وأذنابهم.

ولقد حبست أنظمة التطبيع أنفاسها، منذ سمعت بنجاح خطة هروب الأسرى من زنازينهم. واختارت الصمت المطبق؛ لأن فكرة تحقيق أي انتصارٍ نضاليّ في فلسطين، مهما بدا ضئيلًا، يثير هلعها، ويقوّض الأسس التي قامت عليها فكرة التطبيع ذاتها، فقد مهّدت السبيل للتطبيع عبر زعم "استحالة النصر على إسرائيل"، وأنها ترمي إلى "إنقاذ الشعب الفلسطيني الغلبان"، وتحقيق فلول أحلامه بإنشاء ولو كيان ضئيل على بقعة هشّةٍ من أراضيه، يزاول عليها سلطته الوهمية في ضوءٍ شحيح، ومن حقه آنذاك أن يلكم الهواء والخواء، ظنًّا منه أنه يحقق إنجازًا ما.

ثمّ تفاقم هلع الأنظمة والسلطة، عندما وضعت احتمالًا بلجوء الأسرى إلى مناطق "محميّاتها" غير الطبيعية على الإطلاق، وراحت تتخيّل مبلغ الحرج الذي سيلحق بها، سواء من جارتها إسرائيل التي لا شك ستطلب تسليم الأسرى، انسجامًا مع اتفاقيات التطبيع التي تعتبر هؤلاء الأسرى بمثابة "مجرمين فارّين من وجه العدالة"، أو من حرجها أمام شعوبها التي ستزداد نقمتها إن عرفت بتسليم الأسرى إلى إسرائيل، فكانت تدعو الشيطان صباح مساء أن يتدخّل بحلٍّ ما ينأى بها عن هذا الحرج. وهو ما حدث فعلًا بعد القبض على الأسرى وإعادتهم إلى السجون.

ذلك ما ظنّته أنظمة التطبيع والهزائم، وحدها، لكن ما لم تدركه أن الأسرى هم الذين اختاروا النأي بأنفسهم عن هذه الأنظمة، عندما اختار قسمٌ كبير منهم أن يتّجه إلى مناطق الداخل الفلسطيني، لأنه يعرف تمامًا ما ينتظره إن جازف واقترب من الحدود العربية أو من حدود "أوسلو".

كان الأسرى يعلمون أن خلف إسرائيل، الخصم الواضح، "إسرائيلات" أخرى غامضة، على غرار ما رآه المتنبي من الروم القابعين وراء الظهر .. "إسرائيلات" تمارس الدور ذاته في العتمة والخفاء، وإنْ حاولت أداء البطولات الوهمية أمام شعوبها، فآثروا أن يستأنفوا معركتهم التي دارت في السجون الضيقة إلى فضاء السجن الأوسع، مع العدوّ الذي سدّ منافذ الوطن.

ما لم تدركه الأنظمة والسلطة الفلسطينية، وهي تتنفس الصعداء الآن، أن مجرّد ابتعاد الأسرى عن مناطق عتمتهم هو دليل إدانة ضدهم، لا شهادة انتصار لهم، وأن الحرج الذي ظنّوا أنهم اجتنبوه، سيُلحق بهم عارًا يكتبه التاريخ بأحرفٍ من عفن، فأولئك الأحرار هربوا من العتمة أصلًا، ولا يشرّفهم أن يعودوا إليها في جغرافيّاتٍ تشكّل فناءاتٍ خلفيةً لإسرائيل، وإن زعمت أنها "موئل الأحرار" متناسين أن هؤلاء الأحرار، وحدهم، لا يقبلون العتمات والظلال والهوامش، وهم وحدهم من تظلّلهم الشمس، ويحرقهم الظلّ.