ورطة فرنسا في مستنقع الساحل

ورطة فرنسا في مستنقع الساحل

04 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أعاد حضور الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مراسم جنازة الرئيس التشادي الراحل، إدريس ديبي، إلى التداول الإعلامي النقاش بشأن الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، فحصاد ثماني سنوات من التدخل العسكري كان مزيدا من تأزيم الأوضاع، بشكلٍ غير مسبوق، على الأصعدة الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة، سيما وأن كلاما يُروج في الأوساط الحكومية الفرنسية، مفاده عزم باريس على تخفيض أعداد قواتها، المنتشرة هناك، منذ عام 2013، ضمن عملية سيرفال (القط الأنمر)، التي توسعت في أغسطس/ آب 2014، ليشمل نطاقها، إضافة إلى مالي، كلا من بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر وتشاد، تحت اسم علمية برخان (هلال الرمل)، بقوة قوامها أزيد من خمسة آلاف جندي.
يتواتر الحديث عن العزم على الانسحاب، بعد تعاقب التقارير المنتقدة نتائج التدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، فقبل شهرين، أصدرت مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل تقريرا، يؤكد أن الاستراتيجية الفرنسية جاءت بنتائج عكسية؛ فبدل تطويق التطرّف واستئصاله، زادت وتيرته واتسع مداه، وفقدت شعوب المنطقة الثقة في حكوماتها. وشكّك ديوان المحاسبة؛ دركي المالية العامة في فرنسا، أخيرا، في فاعلية التدخل العسكري لباريس في الساحل، بعدما بدت الفجوة بيِّنة بين الخطة المعلن عنها والالتزامات على أرض الواقع.

لم يعلن الإليزيه عن أي جدول زمني للانسحاب من مستنقع الساحل، ولا يبدو أنه على وشك القيام بذلك قريبا

تتعزّز هذه الانتقادات بتواضع النتائج في الميدان، ما أسقط الاعتقاد السائد، على الصعيد الدولي، بأن فرنسا تملك القدرة على العمل في أفريقيا، ما جعلها مؤهلةً أكثر من غيرها على تلبية توقعات حلفائها الأوروبيين والأفارقة. أمام هذا الوضع، بات التساؤل عن جدوى الحضور العسكري الفرنسي في المنطقة، على أكثر من لسان في باريس، مع استمرار في هجمات المتطرّفين، فقد تضاعف عدد العمليات مرّات خلال سنتين، ليبلغ 465 عملية خلال عام 2018، فيما تجاوز عدد الضحايا أربعة آلاف قتيل، في عام 2019.
لم يعلن الإليزيه عن أي جدول زمني للانسحاب من مستنقع الساحل، ولا يبدو أنه على وشك القيام بذلك قريبا، فتحرّكات باريس توحي بأنها تسعى جاهدة نحو مخرج آخر غير خيار الانسحاب؛ لكونها غير قادرة، داخليا ولا خارجيا، على مغامرةٍ تقودها إلى التفريط في عمقها الاستراتيجي بالقارّة الأفريقية. كما أنها، من جهة أخرى، غير جاهزة لمجابهة تداعيات هذا القرار، محليا وإقليميا ودوليا. وما حضور ماكرون، الرئيس الغربي الوحيد، جنازة واحدٍ من أركان الحكم العسكري في أفريقيا، ومساندته غير المشروطة للمجلس العسكري، بقيادة محمد إدريس ديبي، نجل الرئيس الراحل، في انقلاب واضح على الدستور التشادي، تحت مسمّى "الانتقال المدني العسكري"، سوى محاولة أخرى لحفظ ماء وجه أقوى جيش في القارة الأوروبية، والسابع على الصعيد العالمي.

المعطيات على أرض الواقع تفيد بأن الجيش الفرنسي يهوي سحيقا في بئرٍ بلا قاع؛ ما يستدعي التدخل عاجلا لوقف العملية

يُذكر أن باريس حاولت استعادة التوازن المفقود في منطقة الساحل، بإطلاقها، بمعية ألمانيا في عام 2017، مبادرة "التحالف من أجل منطقة الساحل"، بهدف تعزيز التعاون مع دول الساحل الخمس. أعقبها، في أغسطس/ آب 2019، ميثاق "الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، قصد تعزيز الجهود الأمنية في بلدان المنطقة، وزيادة التنسيق بين المجتمع الدولي والدول الأفريقية في الساحل. ثم جاءت فكرة تأسيس قوة عسكرية خاصة، مستهل سنة 2020، باسم "تاكوبا" لمساندة الجيش الفرنسي في منطقة الساحل، بعد الإعلان، في قمة "باو"، عن عجز قوة برخان على التصدّي للتهديدات الإرهابية، في الساحل والصحراء، وعجز الخزينة الفرنسية عن تحمّل الإنفاق، بعدما تضاعفت الميزانية، خلال سبع سنوات (2013 - 2019)؛ من 584 مليون يورو إلى أكثر من 1.17 مليار يورو.
تكرار الحديث عن الانسحاب فقط من دون أي تفاصيل أخرى، ينم عن تردّد؛ حتى لا نقول "تيه"، في الأوساط الحكومية الفرنسية، فالمعطيات على أرض الواقع تفيد بأن الجيش الفرنسي يهوي سحيقا في بئرٍ بلا قاع؛ ما يستدعي التدخل عاجلا لوقف العملية. بيد أن القرار ليس بهذه السهولة، فمن شأن التراجع أو التقليص أن يدفع الجماعات المتطرّفة إلى تصعيد عملياتها في المنطقة، بعد الإحساس بنشوة الانتصار والتمكين في الأرض. ويُتوقع أن يُحدث خدوشا في صورة الدولة الفرنسية، سيما هيبة فرنسا ومكانتها لدى الأنظمة والنخب الأفريقية التي تجهر بخدمة مصالح "ماما فرنسا"، وتعلن ولاءها المطلق لباريس، نظير الحصول على الحماية والدعم والمساندة.

سبق للرئيس الفرنسي أن ندّد بتورّط قوى أجنبية، لم يذكرها بالاسم، في ممارساتٍ مناهضةٍ للوجود الفرنسي في القارّة السمراء

يبقى شبح إعادة سيناريو أفريقيا الوسطى هاجسا يقضّ مضجع الفرنسيين، فقد اغتنمت روسيا فرصة الانسحاب هناك، وكسبت موطئ قدم في بلد في مركز القارة الأفريقية، غني بالموارد الطبيعية والمعدنية. تحول الأمر سريعا إلى صراع بالوكالة، بين أنصار موسكو والموالين لباريس، داخل مؤسسات الدولة، قاد إلى إطاحة رئيس البرلمان، المحسوب على فرنسا؛ بتهمة استغلال السلطة وإساءة استخدام المال العام، في إشارة واضحة إلى النفوذ الذي تتمتع به روسيا داخل البلد.
وسبق للرئيس الفرنسي أن ندّد، في يناير/ كانون الثاني 2020، بتورّط قوى أجنبية، لم يذكرها بالاسم، في ممارساتٍ مناهضةٍ للوجود الفرنسي في القارّة السمراء. في إشارة غير مباشرة إلى روسيا التي اتهمت بتحريض موالين لها على التظاهر ضد الحضور الفرنسي في مالي، بعد توقيع موسكو اتفاق تعاون عسكري مع باماكو عام 2019. ناهيك عن تضايق باريس من الحضور المكثف لروسيا في المجال العسكري، حيث أضحت أكبر مزوّد للقارة بالسلاح.

ليست روسيا القوة الوحيدة المتربّصة بالانسحاب الفرنسي، لترسيخ نفوذها السياسي والاقتصادي في دول الساحل الغنية بالموارد

ليست روسيا القوة الوحيدة المتربّصة بالانسحاب الفرنسي، لترسيخ نفوذها السياسي والاقتصادي في دول الساحل الغنية بالموارد (يورانيوم مالي أو بترول النيجر أو غاز تشاد، أو فوسفات موريتانيا)، فهناك أيضا تركيا التي تتمركز بقوة في نيجيريا؛ بجوار تجمع دول الساحل، فهي أكبر شركاء تركيا التجاريين في القارّة، بحجم تجارة ثنائية وصل 2.3 مليار دولار، في 2019. وتسعى جاهدةً إلى الظفر بموطئ قدم في حديقة فرنسا، فبعد شهر على انقلاب 18 أغسطس/ آب 2020، حلّ وزير الخارجية التركي في جمهورية مالي؛ كأول مسؤول أجنبي رفيع المستوى يزور البلد، انسجاما مع الموقف التركي الداعي إلى الدخول في حوار مع "السلطة الانتقالية"، وقد مثّل ذلك ضربةً قويةً للموقف الفرنسي المندّد بالانقلاب.
يبدو أن صناع القرار في باريس عاجزون عن إيجاد حل لمعادلة الساحل؛ فخيار البقاء يعقبه سؤال الجدوى من ذلك، وقرار الانسحاب ورطةٌ أخرى بتكلفة أكبر. مهما يكن من أمر الحل في المستقبل، المؤكد أن فرنسا التي أقامت مجدها من المستعمرات الأفريقية تعود اليوم إليها لتفقده.