هل يتغلّب الصومال على التحدّي الأمني؟

هل يتغلّب الصومال على التحدّي الأمني؟

24 اغسطس 2022
+ الخط -

"إذا أردتَ السلام عليك أن تستعد للحرب". ينطبق هذا المثل اللاتيني على الوضع الصومالي الراهن بعد عقود عجاف، ظل هذا البلد فيها مرتعاً للموت وموطناً لتراجيديا الحرب ومآسيها، ففي خضم الحملة الانتخابية للرئيس حسن شيخ محمود، هيمنت معضلة الأمن على خطاباته ونشاطاته الدعائية، مركزاً على أهمية استتباب الأمن في بلدٍ غارقٍ في وحل من الأزمات بفعل التردّي الأمني والتدخلات العسكرية الإقليمية، عبر مظلة قوة حفظ السلام الأفريقية (أتمس)، لكن طموح شيخ محمود بشأن تصويب معادلة الأمن تضاعف بعد تتويجه رئيساً للبلاد، وارتفع سقفه بعد تشكيل حكومة فيدرالية يترأسها صديقه المقرّب منه حمزة عبدي برّي، والذي هو الآخر يخطو على خطوات رئيسه، معلناً عزم حكومته على مواجهة حركة الشباب عسكرياً. وتتنوّع خطابات الرجلين اللذين يترأسّان في الصومال حالياً. ولكن تلك الوعود لم تُترجم إلى أفعال بعد، وإن أمضيا في الرئاستين نحو ثلاثة أشهر، بل سبقتها تفجيرات حركة الشباب التي حوّلت فندق "الحياة" في مقديشو إلى أثرٍ بعد عين، وقتلت 30 شخصاً وجُرح مائة آخرون، وتركت هذه الحادثة جرحاً عميقاً في قلوب كثيرين، من دون أن ينبس رئيس البلاد ببنت شفة، وكأن فاجعة هذه التفجيرات لا تزال ترنّ في آذانه، وهي التي كشفت مدى صعوبة التغلب على التحدّيات الأمنية التي تواجهها الأجهزة الأمنية في الصومال.

تأتي دعوات مواجهة حركة الشباب عسكرياً والقضاء على نفوذها الممتدّ أكثر من عقد ونيف في القرن الأفريقي، بعد تمديد مهمة قوات حفظ السلام الأفريقية في إبريل/ نيسان الماضي، وتغيير مهامها إلى غاية نهاية عام 2024، من قوات حفظ السلام إلى أخرى تشنّ هجمات عسكرية متنقلة لضرب قواعد حركة الشباب، بغية تسليم ملفّ الأمن للجانب الصومالي بعد جهوزيته لمواجهة القلاقل الأمنية، ودحر الجماعات المناوئة للدولة، لكن هذه الاستراتيجية، الطموحة إفريقياً وصومالياً، تبدو، في الوهلة الأولى، أنها قابلة للتنفيذ، لكنها لا تمرّ من دون بذل تضحيات كثيرة، فأولاً ما زال عنصر المفاجأة من القوات الحكومية غائباً لمواجهة الأخطار الأمنية، بحكم منطق أن من يوجِّه الضربة العسكرية أولاً هو المسيطر على الوضع، بل على العكس، تتمتّع حركة الشباب بقدرات أكبر للتأقلم مع كل ظرفٍ طارئ، وهو ما يُكسبها تفوّقاً نوعياً في شنّ ضرباتٍ عسكرية على أهداف محدّدة في الصومال، وفي دول الجوار أيضاً. جديدها أخيراً تمدّد مقاتليها إلى الإقليم الصومالي في إثيوبيا؛ حيث لا تزال عناصرها تتحصّن في أدغال المنطقة الصومالية وجبالها، وتشتبك مع القوات الإثيوبية والصومالية، في تحدٍّ أمني جديد، تواجهه أديس أبابا، يضاف إلى جملة التحدّيات الأمنية المحيطة بها الناجمة عن الحرب المتواصلة بين العرقيات الإثيوبية التي لم تضع أوزارها بعد، إلى جانب تداعيات حرب إقليم تيغراي (2020)، هذا فضلاً عن تهديداتٍ محتملة من فرع تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال ضد إثيوبيا، بعد أن أعلن عن تخطيطه لتوجيه ضربات عسكرية ضد إثيوبيا في يونيو/ حزيران الماضي، ما يفاقم التحدّيات الأمنية التي تواجهها دول القرن الأفريقي، لا سيما مقديشو وأديس أبابا اللتان تتشاركان أطول حدود برّية إقليمية في القرن الأفريقي.

تكمن الغرابة في أن الرئيس الصومالي أعلن عن حملة عسكرية ضد حركة الشباب من دون وجود استعداد عسكري مسبق وخطة واضحة المعالم لمواجهة الحركة

تكمن الغرابة في أن الرئيس الصومالي أعلن عن حملة عسكرية ضد حركة الشباب من دون وجود استعداد عسكري مسبق وخطة واضحة المعالم لمواجهة الحركة، فإطلاق شعارات مبكّرة والنيات الحسنة للعنان لا تجدي نفعاً أمام هوْل التحديات الأمنية التي تواجهها، إلى درجة جعلت قيادات الحركة تفاخر بأنها أسرع تطبيقاً لوعودها في مقارعة خصومها وضرب مقارّهم واستهداف كوادرهم، وذلك بعد الهجوم أخيراً على فندق الحياة يوم 19 أغسطس/ آب الحالي، وهو ما يفسّر لغطاً كبيراً في العقل الجمعي لدى القيادات الصومالية التي لا تتمتع بحسّ أمني، وتجيد فقط إطلاق شعارات رنّانة وحملات دعائية لا ترى النور.

يتساءل بعضهم، ما الذي جعل العاصمة مقديشو مرتعاً للموت عقوداً طوالاً؟ من حرب أهلية طاحنة في تسعينيات القرن الماضي، مروراً بحرب أمراء الحرب مطلع الألفية، والغزو الإثيوبي والتدخل العسكري الأفريقي عام 2006، ولا تزال الدماء تسيل في أرصفة شوارعها من دون أن تتمكّن الحكومات المتعاقبة من ردع شبكات الموت وآلاتها التي تبطش بحيوات سكانها، فما إن يتناسى أهلها من حادث أليم حتى يحلّ بعده حدثٌ أفجع، فحادثة شارع زوبي في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2017 بعد انفجار شاحنة محمّلة بالمتفجّرات، وقتلت قرابة 500 من سكانها، والتي أذهلت حتى فاعلها، وصمت لهول هذه المجزرة صمت القبور، أعقبتها عشرات من التفجيرات التي راح ضحيتها المئات، ويستمرّ مسلسل الموت من دون أن تضع الحكومات الفيدرالية استراتيجية لمواجهتها سوى الاعتماد على طرق تقليدية، من قطع الشوارع بالسواتر الإسمنتية فقط، وهي طريقة أضرت باقتصاد المدينة وحركة سكانها، إلى درجة أن الحوامل يلدن في داخل السيارات التي لا تعبر الحواجز المنتشرة على مداخل العاصمة، وفي الوقت نفسه، لا تزال مفخّخات الموت وبالسيارات تهزّ المدينة، ما يشي بأن خرقاً أمنياً داخل الأجهزة الأمنية يمرر آلات الموت لتحصد حياة ساكني مقديشو التي لا تفرّق بين عسكري ومدني، وفق منهجية من يقف وراء مفخّخات الموت وفواجعها.

لم يعد سرّاً أن هزيمة حركة الشباب وتقويض نفوذها الميداني والعسكري ليس أمراً هيناً، ولا يتحقق من دون توفر استراتيجية عسكرية جديدة

لم يعد سرّاً أن هزيمة حركة الشباب وتقويض نفوذها الميداني والعسكري ليس أمراً هيناً، ولا يتحقق من دون توفر استراتيجية عسكرية جديدة، بدل الاعتماد على خطّة الدفاع وصد هجماتها فقط، وتبدو ملامح تغيير عسكري آتية لا محالة، فالصومال اليوم، وفق رؤية رئيسها الجديد، مختلف تماماً عن صومال الأمس، فضم الرجل الثاني والمنشقّ عن حركة الشباب أبو منصور روبو عام 2017 في التشكيلة الوزارية الجديدة، لا يُراد من هذه الخطوة سوى ضرب جذور حركة الشباب العقائدية، من جهة، والقضاء عليها عسكرياً من جهة ثانية، فالرجل ذو خبرة عسكرية وتنظيمية لمواجهة هذه الحركة، حيث تمكّن من مواجهتها، هو وأنصاره، في أحراج إقليم بكول سنوات، حتى اضطرّ لتسليم نفسه إلى الحكومة الفيدرالية عام 2017، لكن علامات الاستفهام تدور حول مدى إمكانات الرجل حالياً في ترتيب صفوف عناصره الذين انتشروا في الأمصار، بعد اعتقاله نحو أربعة أعوام، وهل يتمتّع وزير الأوقاف (أبو منصور روبو) بالقدرات التنظيمية والعسكرية نفسها لشنّ ضربات عسكرية لمقارعة خصومه في الحركة، أو إجبارهم على التفاوض مع الحكومة الفيدرالية، على الرغم من أن خيار التفاوض معها ليس مطروحاً حالياً، لكن الجنوح إلى السلم خياراً لإنهاء أي حرب يعدّ محوراً مهماً، وأثبتت فواعلها في لجم فوهات البنادق وإنقاذ الأرواح التي فخّخت عقولها أيضاً.

ثمّة مسألة يغفل عنها الجميع، وهي اللبنة الرئيسة لبناء الدول التي تنهار بفعل الانقلابات العسكرية، وشهدت بعدها حرباً أهلية طاحنة، فغياب العدالة الانتقالية في بلدٍ مثل الصومال، وعدم محاسبة من يتورّط في سفك دماء الأبرياء سنوات، يشرع الأبواب مفتوحة لظهور سفاحين ومصّاصي دماء جدد، فيرى بعضهم أن تعيين قيادي سابق في الحركة، لطالما نطق باسمها وخاض معارك ضد الدولة، سقط فيها أبرياء، بمنصب وزيرٍ يعيد إلى الأذهان ضم البرلمان الصومالي أمراء حرب سابقين عاثوا في البلاد، ويحملون على أعناقهم دماء كثيرين، نتيجة معاركهم العبثية التي حوّلت مقديشو إلى مدينة أشباح، فعدم وجود محاسبة قضائية لمن تلطّخت يداه بدماء غيره، وتمتّعهم بحصانة برلمانية تحميهم من المساءلة أو حماية من عشائرهم تفسح المجال لاستمرار العبث المقصود في مقدّرات الأمة وهتك أعراضها، حتى تتحقّق العدالة ويأتي من يقتصّ للمظلومين.

مواجهة الجماعات الخارجة عن القانون والمتاجرين بدماء الصوماليين غاية لا تتحقق من دون وجود إرادة حقيقية

هيمنت قضية الأمن في الصومال على جولات الرئيس حسن شيخ محمود الخارجية، وشدّد، في كل محطة من لقاءاته مع الرؤساء، على ضرورة ضبط أمن مقديشو أولاً، مدخلاً استراتيجياً لفرض استقراره في البلاد، حيث ناقش هذا المحور تحديداً مع الرئيس التركي، أردوغان، مطالباً بدعم بلاده عسكرياً لمكافحة حركة الشباب، كما أن هذا الملف حضر بقوة في جولاته الإقليمية في كل من جيبوتي وأسمرة ونيروبي، إدراكاً منه أنه من دون توفير الأمن لن يخرج الصومال من دائرة الفوضى الخلاقة، ويبقى في ساحة التجاذبات الإقليمية وحرب الديناصورات التي تدور حول موقعه الجغرافي بين الشرق والغرب.

في النهاية، يبقى أن نهضة الصومال اقتصادياً وتحديد مستقبل تموضعه مجدّداً إقليمياً ودولياً مرهونان بمدى تغلبه على التحدّيات الأمنية، فليست الشعارات وحدها كافية لهزيمة من يعبث باستقراره عقوداً طويلة، فمواجهة الجماعات الخارجة عن القانون والمتاجرين بدماء الصوماليين غاية لا تتحقق من دون وجود إرادة حقيقية، فالرئيس حسن شيخ عزم العقد على مواجهة حركة الشباب، لكن هذا من خلال حشد الجهود العسكرية والإعلامية، ليس واضحاً بعد، ما يثير الشكوك في جدوى تلك الحركات البهلوانية في الهواء الطلق، والتي لا أثر لها في ساحات الوغى، فهل يستطيع الصومال التغلّب على معضلة الأمن عاجلاً أو آجلاً؟