هل الأردن بخير؟

18 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

ليس المقصود بالسؤال أعلاه حسم الجدلية القائمة بين التفاؤل والتشاؤم، بغية الفرز بين فئتي الناظرين إلى نصفي الكأس؛ الفارغ والممتلئ، بل هو أكثر تعقيداً بكثير في ما يتصل بالحالة الأردنية تحديداً. ولسوف يفاجأ السائل لا بحجم المتفائلين بل بطرازهم، واختلاف تصنيفاتهم، وبالشروط التي يضعونها قبل الإجابة.

مثلًا، ستعلو الدهشة وجه السائل إن أجابه كثيرون من فقراء الأردن: نعم، الوطن بخير، ما دام في وسعنا الظفر بعلبة كولا فارغة في الحاويات، نستطيع بيعها لتجار الخردة، أو لأنّه ما زال بمقدورنا بيع آخر قطعة أثاث في بيوتنا. ومنهم من يجيب نحن "مستورون" ما دمنا نستطيع العثور على ورقة توت لستر عوراتنا. وفي المقابل، سيجيب الموظف الذي لا يكاد يغطي راتبه نفقاته الأساسية أنّ الأردن بخير، ما دمنا قادرين على مواجهة العشر الأوائل من الشهر، على أبعد تقدير، وعلى جدولة قروضنا سنة أخرى. وعلى الغرار نفسه، سيجيب التجار أنّ الأردن بخير ما دامت هناك فئة ما زالت قادرة على شراء سلعنا، وإن بالتقسيط طويل المدى، فالمهم أن تظلّ قطرات السيولة المالية متاحة لنا. كما سيردّد اللصوص والفاسدون الإجابة نفسها، ما داموا يجدون ما ينهبونه من مقدّرات الوطن.

بهذا الملخص السريع، تختصر إجابات الذين ينظرون إلى الوطن، انطلاقاً من أوضاعهم المعيشية التي تتراوح بين ثقوب العلب الفارغة إلى النوافذ المفتوحة على السطو والنهب، وكلّ يجد ضالته ويعتقد أنّ بلده بخير، ما دام هو قادراً على اجتياز الثقب أو التسلل من النافذة... وهذه الفئات لا تشكل قلقاً للحكومات التي تُحسن إدارة مطالبها بذكاء، وفق معايير خاصة، تتعلق بالولاء والانتماء المرتبطين بالنظام لا بالوطن نفسه.

أما الفئات التي تشكل "خطراً" بالنسبة للنظام، أعني التي تقرن أوضاعها المعيشية بموازين الحرّيات، فهي تنقسم إلى فئتين: الأولى، فئة تنظر إلى الوطن بسقف حرياتٍ واطئ، وترضى بما تتمنّن عليها الحكومات به من "هباتٍ" لا تحلم بها ليس دول المحيط فحسب، بل كثير من أقطار العالم الثالث، كالمجالس النيابية منزوعة الدسم، والنقابات المهنية التي لا تتعدّى مطالبها سقف غرف اجتماعاتها، والصحافة التي لم تعد أوراقها صالحةً حتى لفرش الموائد، وما إلى ذلك من "هباتٍ" كثيراً ما يرددها مسؤولون، ويتناقلها ممتنّون من القانعين بأنصاف الحريات المقسّطة أطول من الأعمار، حتى لو اقترنت "حرّياتهم" وبرلماناتهم ونقاباتهم بهيمنةٍ حكوميةٍ، تصل أحياناً إلى حدّ حلّ جمعيات سياسية كبرى، كجماعة الإخوان المسلمين، وزجّ رموز سياسية وحراكية في السجون، أو حلّ نقابات مهنية بأكملها، حاولت الخروج وإن قليلاً على تلك الهيمنة، على غرار نقابة المعلمين. أما الفئة الأخرى التي لا ترضى بأنصاف الحريات، فهي المستهدفة دوماً بالقمع والملاحقات الأمنية لإخضاعها. وغالباً ما تنجح الحكومات، لأنّ هذه الفئات ضئيلة وغير مؤثرة في الشارع. ويحسب للأجهزة الأمنية أنّها تمكّنت، عبر عقود من الإخضاع وتقليم الأجنحة، من ترسيخ فكرة أنّ الأردن "بلد مستقرّ"، على الرغم من أنّه يشبه استقرار المستنقع الراكد، الذي يخفي تحت طياته صنوفاً مختلفة من الطفيليات والعوالق، لا استقرار النهر الجاري الذي تتجدّد مياهه باستمرار. وكنت قد أشرت إلى هذا التشبيه قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً في إحدى المقالات، وكتبت أنّ الاستقرار الأردني يماثل حال "طفلٍ لا يلعب".

في الخلاصة، لا أستغرب ما حدث في الأردن أخيراً، والذي يناقض كل ما ركنّا إليه من مقولات عن "الاستقرار" البصريّ الخادع لغير المتعمّق في ما يعتمل أسفل المستنقع من احتقانٍ يبدو أنّه بدأ يجد منافذ تعبّر عن أوجاعه وهمومه. ما حدث يتجاوز الأزمة العابرة التي يمكن أن تطوى صفحتها بقرارٍ أمنيٍّ متعجّل، بل ينبغي تفحّص الحدث عبر الحفر في قاعدته، واكتشاف ما يرزح تحته المواطن الأردني، الذي لم يعد يثق بحكوماته، من أعباء تنوء بها الجبال، وتلبية حاجته إلى الحرية الكاملة غير المنقوصة في عالمٍ بات محكوماً بها ولها.