هذه المعادلة الصفرية في تونس

هذه المعادلة الصفرية في تونس

15 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

من نافل القول إن تونس تعاني من أزمة سياسية وتدهور اقتصادي ومشكلات اجتماعية حادّة، في قطاعات حيوية مختلفة، إلا أن الجديد الذي زاد في تأزيم الأوضاع منذ 25 يوليو/ تموز الماضي أن البلاد تراجعت خطوات واسعة وبشكل متسارع في مجال الحقوق والحرّيات، وتحوّلت نزاعاتها الداخلية إلى ملف يطرح للنقاش في المحافل الدولية وضمن المحاور الإقليمية.

عرفت تونس سنة 2013 أزمة حادة ضمن حالة من الصراع بين القوى الحزبية المتنازعة آنذاك، وما رافقها من اغتيالات سياسية كانت ستدفع البلاد إلى المجهول، خصوصا أن النظام السياسي حينها كان بصدد التشكّل، ولم يكن للدولة دستور نهائي (لم ير النور إلا سنة 2014). ثم جاء الحوار الوطني الذي جمع الفرقاء السياسيين، ليضع حدّا للتنازع، وتمرّ البلاد إلى انتخابات شاملة في ظل دستور جديد، وهو ما أثار إعجاب المراقبين الأجانب حول حيوية المشهد السياسي وقدرته على تجاوز الأزمة، الأمر الذي دفع هيئة جائزة نوبل إلى منح جائزتها للسلام لعام 2014 للرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس.

أما ما تعرفه تونس هذه الأيام فأمر آخر، فليس الخلاف حول أولويات السياسة، ولا هو نزاع انتخابي من أجل الوصول إلى مواقع السلطة، وإنما تراجع المشهد إلى مرحلة ما قبل البناء المؤسسي الذي تشكّلت ملامحه إثر ثورة 2011، حيث جاء الأمر الرئاسي عدد 117 الصادر في 22 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، ليلغي تقريبا كل النظام الدستوري القائم، ويحل محلّه نظام جديد لإدارة الدولة، رئيس الدولة محورها المركزي.

الملف الاقتصادي الذي أصبح مركونا على الرفّ قد يكون العامل الذي سيعصف بالجميع

معلومٌ لدى كل دارس للفلسفة السياسية أن الدستور هو البناء الهندسي للنظام السياسي، وهو العقد الاجتماعي الذي يعبّر عن التوافق العام، فهو الذي يحدّد فلسفة الحقوق والحريات، ولأنه التعبير عن الوفاق الاجتماعي والرضا العام في المجتمع، كانت الدساتير تحتاج دوما إلى أكبر قدر ممكن من الاستشارة والتوافق، سواء لكتابتها أو لتعديلها. ولهذا كان من المثير للقلق أن يصدر مرسوم رئاسي يلغي دستورا قائما من دون أن يكون القرار ناتجا عن خيار عام.

المشكلة أن تطوّرات الوضع في تونس تحوّلت من نزاع سياسي بين قوى سياسية وأحزاب متنوعة، لتتحول إلى صراع مجتمعي وبث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد على خلفية قضية الدفاع عن الدستور والحريات من جهة، أو تبنّي التعديلات الشاملة التي جاء بها الأمر الرئاسي عدد 117. وهكذا تحوّل الجدل من النقاش المعتاد في الإعلام ليصبح نزاعا بين شارعين. ولبرهة، حاول أنصار رئيس الجمهورية تصوير الوضع وكأن الشارع التونسي برمّته يؤيد إلغاء الدستور وحلّ الهيئات الدستورية والتضييق على الحريات وعودة الخطاب الإعلامي الأحادي في حالةٍ من عمى الألوان التي تجعل المشهد يتراوح بين الأسود والأبيض، من دون أن يدرك هؤلاء أن السياسة تكمن أساسا في المنطقة الرمادية، فلا يمكن نفي وجود رفض واسع من الشارع التونسي للفوضى السياسية وللأزمات الحكومية المتلاحقة، ولكن هذا لا يعني أبدا أنها تأييد لإغلاق قوس الحريات والتداول على السلطة الذي عرفته البلاد، ولأول مرة في تاريخها بعد ثورة يناير 2011، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام الشارع الرافض الإجراءات التي اتخذها رئيس الدولة وعبّر عن نفسه جماهيريا في مرة أولى في أثناء مظاهرة 18 سبتمبر، ثم في التحرك الجماهيري الواسع يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.

أفضل طريقة اخترعها الإنسان لحل مشكل التنازع في الشوارع هي اللجوء إلى صناديق الاقتراع

المشكلة أن التحرّكات المناهضة لإجراءات الرئيس والأخرى المؤيدة له لا تقدّم حلا، ذلك أن الشارع هو تعبير عن الاحتقان، ولكن الحلول تأتي غالبا من النقاش الهادئ بين السياسيين، وهو ما لا يجري الآن، ذلك أن تونس في حالةٍ من الدفع نحو معادلة صفرية، تقوم أساسا على الإلغاء وليس الحوار. والأكيد أن الأزمة السياسية الحالية المتفاقمة ستزيدها الأزمة الاقتصادية احتقانا، فالملف الاقتصادي الذي أصبح مركونا على الرفّ قد يكون العامل الذي سيعصف بالجميع، إذا لم تتم معالجته في أسرع الأوقات، وغالبا ما تنسف حقائق الاقتصاد أوهام السياسة.

لا يمكن أن يحكم تونس طرف واحد، والعودة إلى النظام السياسي المعتاد والحفاظ على الحقوق والحريات يمثلان الأساسيات لأي حل مقبل، وأفضل طريقة اخترعها الإنسان لحل مشكل التنازع في الشوارع هي اللجوء إلى صناديق الاقتراع، والدساتير ذاتها تتضمن آليات تعديلها وينبغي الالتزام بها، لأنه لا يمكن تحويل القوانين والدساتير إلى مجرّد أداة تخضع لأهواء الحاكم، مهما اعتقد الناس في حكمته، ففي النهاية لا يمكن تغيير العقود إلا برضا جميع الأطراف المساهمة فيها، حتى وإن كانت مجرّد أقلية، فهل يتغلب صوت العقل على نزاعات الأهواء، ويبعد تونس عن المنحدر الخطر الذي يتم دفعها نحوه؟