من لا يعرف عبد الرزاق؟

من لا يعرف عبد الرزاق؟

13 أكتوبر 2021
الصورة

الفائز بجائزة نوبل للآداب عبد الرزاق قرنح قبل مؤتمر صحفي له في لندن (8/10/2021/فرانس برس)

+ الخط -

بعد ترتيب بعضِهم لَائحةً تضمُّ الأسماء المحتمل فوزها، من مشاهير الكتاب في العالم، ألْقت لجنة جائزة نوبل للآداب في حضنهم مفاجأةً ثقيلة، بفوز كاتبٍ لا يعرفه أحد. لتنزل مطارقُ اللّوم في موقعة "غورنا" (أو قرنح)؛ فلام القارئ المترجم، ولام المترجمُ الناشر، ولام الناشر القارئ والسّوق والمكتبات، وبقي أن يلوموا الكاتب نفسه، أي عبد الرزاق، على عدم معرفتنا به.

المنشغلون عن اللّوم بحثوا عن أصل عبد الرزاق، أكثر مما بحثوا عن أعماله، وفرحوا بشَجرة نسبه العربية التي سقط من فروعها في دولةٍ أفريقية، لتلفظه إلى البحر، هاربا من ذلك كله؛ الأصل، الشّجرة، والأرض التي نما جريحا عليها، بحثا عن هواءٍ صحيٍّ وحياة تليق بإنسان. لكنّ العرب وشجرة أنسابه طاردوه وأحضروه، وذكّروه بالأصل والفصل، وصار له بينهم أعمام وأخوال. ونسوا أنّه هاربٌ من الجنوب، بكلّ ضفافه العربية والأعجمية، ولا يحمل من همومهم إلا ذكريات الهروب، والطفولة المعذّبة في أفريقيا، مع انتصاره للقضية الفلسطينية، التي يجب أن ينتصر لها كلّ ذي حسّ إنساني.

العرب وشجرة أنسابه طاردوا عبد الرزاق وأحضروه، وذكّروه بالأصل والفصل، وصار له بينهم أعمام وأخوال. ونسوا أنّه هاربٌ من الجنوب، بكلّ ضفافه العربية والأعجمية

حتّى لو كان عبد الرزاق عربياً، كامل الأصل والفصل؛ وُلد هنا، وقرأ بعض الذي قرأنا، ثم غادر، وكتب هناك بلغةٍ أخرى، ولقارئ آخر، فهذا لا يعني أنّه أديب عربي فائز بجائزة نوبل. لنتخيّل كاتبا تنطبق عليه الصّفات التي ذكرنا، مثل الطاهر بنجلون، فاز بـ"نوبل". هل سنصفه بأنه كاتب عربي فائز بالجائزة العالمية العتيدة؟ لا أظن، لأننا سنجد حينها أنفسنا أمام ورطاتٍ كثيرة؛ أوّلها أننا درجنا على تسمية الأدب العربي، كلّ أدبٍ مكتوبٍ باللغة العربية، بغض النظر عن أصل الكاتب، ونحن لدينا ملايين من غير العرب، أمازيغَ أو كرداً يكتبون بالعربية، لكن هذا لا يعني أنّهم عرب، خصوصاً أنّ عددهم كبير؛ ففي المغرب الكبير عدد مهم من الكتاب أمازيغ، وفي سورية والعراق أكراد كثيرون كتبوا وأحسنوا الكتابة بالعربية.

ولكن عندما نضمُّ كاتبا لا ينطبق عليه ما سبق، ونعتبره منا، لأنه ذو أصل عربي، علينا أن نعتبر غير العرب خارج دائرة الكتّاب العرب، وسيفقد الأدب العربي حينها معظم كتّابه، وكثيرا من وزنه. الحلّ أن يدع العرب عبد الرزاق لنفسه، ولإنسانيته التي نشترك فيها معه، ولندع له أن يختار انتماءه. هو الذي، من خلال كتاباته، وفيّ لأفريقيته وهمومها، ولا أثر للعرب فيه.

هو الذي أجاب في حوار صحافي: "لن أسمّي نفسي كاتبًا لأي نوع. في الواقع، لست متأكدًا من أنني سأطلق على نفسي أي شيءٍ بخلاف اسمي. أظن، إذا ما تحدّاني شخصٌ بطريقة أخرى للقول: هل أنت واحد من هؤلاء؟ فربما سأقول له: كلا. .. على وجه التحديد، لا أريد لاسمي، وهو جزءٌ مني أن يختزل بتسمية".

ليست حالة عبد الرزّاق غورنا (أو قرنح) فريدة من نوعها، فهي بين حالات أخرى غيرها، حصل كُتّاب على جائزة نوبل للآداب ولم يكن العرب يعرفونهم

من جهة التلقي والقراءة، من يتحمّل اللّوم عن عدم معرفة العرب بعبد الرزاق؟ الإجابة الشاملة ستقول إنهم كثر؛ المكتبات، لأنها غير مبدعة ولا مبادرة، ولا حتى مواكبة للقارئ وللكتاب. أصحابها مجرّد تجار فحسب، لا يعرفون الفرق بين كاتب وآخر، يطلبون دفعةً من الكتب حسب نوعها، روايات أو فكرا أو فلسفة، بغض النظر عن الاسم. كأن الكاتب مجرّد خياط. والأهم موضة (ونوعية) الفستان الذي خاطه. فمثلا، عبد الفتاح كيليطو الذي يعدُّ كاتبا معروفا ومطلوبا، لا تجد له كتبا في المكتبات المغربية، مع أنه نشر في دار مغربية كبيرة، توزّع جيدا، أفضل من معظم دور النشر الأخرى على الأقل. الطرف الثاني، دور النشر التي تبحث عن الربح، وتختار ما هو قابلٌ للاستهلاك، ولم تكن الأعمال ذات الروح الأفريقية من بين اهتماماتها، كما أن موضوع توزيعها لما تنشره يمثل وصمة عارٍ كبيرةٍ يطول الحديث فيها. الطرف الثالث، القارئ المثقف الذي ليس بالقارئ الكبير، ولا يُقبل على القراءة واقتناء الكتب كما يُفترض. صحيحٌ أن الحياة غالية، لكنّ الكتب جزءٌ من ضروريات الحياة، ستدخل معها وستجد لها مكاناً ضمن الميزانية، إذا كان معنيا بها. وإذا لم يكن هذا المثقف يرى ذلك فهناك خلل. وبالفعل، أصبحت الثقافة من مظاهر الادّعاء أكثر مما هي إقبالٌ على المعرفة.

من جهة أخرى، ليست حالة عبد الرزّاق غورنا (أو قرنح) فريدة من نوعها، فهي بين حالات أخرى غيرها، حصل كُتّاب على جائزة نوبل للآداب ولم يكن العرب يعرفونهم، من الفرنسي باتريك موديانو والبولندية أولغا تشوكارتوك وغيرهما من آخر الفائزين بـ"نوبل" الذين سارع العرب لترجمتهم بعد الفوز، لكنّهم لم يستمروا في السوق، سوى وقت قليل. بعضهم غير جماهيري، مثل بيتر هاندكه، المترجمة بعض أعماله إلى العربية قبل الجائزة. مع العلم أنّ اختيارات العرب الأعمال المقروءة غير خاضع لمنطق الجودة أو الشهرة؛ فحتى أشهر النوبليين لم يُقرأوا كما يجب، فكثيرون من القرّاء القدامى لم يقرأوا رواية "العمى" الشهيرة، للبرتغالي ساراماغو، على سبيل المثال.

تأخر الأدب في اكتساب الشرعية الاجتماعية، بسبب ضعف نسب القراءة، وانتشار الأمية، وضعف القدرة الشرائية

مع ذلك، يمكن ملاحظة اختلاف تدريجي في سلوك القراءة، واقتناء الكتب لدى العرب؛ فمثلا صارت دور النّشر المتخصّصة في الأدب تعرف رواجا أكثر من غيرها، مع أنّه بالأمس القريب كانت كتب التنمية البشرية وكتب الفقه والتفسير والحديث أكثر رواجا في المعارض. والآن صارت الروايات هي الأكثر رواجا، إذ اكتشف الشباب، بشكل خاص، سحر الرّواية. بعدما روّج من روّج أنها تفسد الأخلاق، مثلما كانت الأفلام تفعل، بحسب ذهنية الأوساط المحافظة. وإذا كانت الأفلام قد تخلّصت من هذا الحكم، منذ وقت طويل، بفعل سحر الصّورة، فإنّ الأدب تأخر في اكتساب الشّرعية الاجتماعية، بسبب ضعف نسب القراءة، وانتشار الأمية، وضعف القدرة الشرائية. لكن يبدو أن وسائل التواصل التي كان يُخشى من تقليلها القراءة ساهمت في انتشارها لدى الشّباب الذين لم يملكوا من قبل مصدر تشجيعٍ على القراءة.

الأكثر غرابةً من الانشغال بأصل عربي بعيد لعبد الرزاق غورنا، ما فعلته الحكومة التنزانية، بتهنئته التي اعتبرت فيها فوز عبد الرزاق فوزا لتنزانيا. مع أن هذه الحكومة نفسها وغيرها كانت السبب في هجرة غورنا الذي كان يمكن أن يعيش ويبدع في بلاده، بدلا من بلاد الآخرين التي يمكن اعتبارها الفائز مع من فاز، لا البلد الأصلي. ولكن يُشكر عبد الرازق على حمله هموم إخوته الأفارقة، وهو يهاجر ويكتب. في وقت أنكَرَنا فيه كتابنا المغاربيين بشكل خاص، عندما ذهبوا إلى الغرب، وكتبوا له رواياتٍ كنا فيها مجرّد مهرّجين وعرائس تُسلّي القارئ الأوروبي، المنبهر بسحر شرقٍ يتخيّله ولا يعرفه.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج