مصريون لا يحتملون مشاهد الفقر وآخرون يعايشونه

مصريون لا يحتملون مشاهد الفقر وآخرون يعايشونه

24 أكتوبر 2021
الصورة

(محمد عبلة)

+ الخط -

أثيرت، أخيراً، ضجّة كبيرة بشأن الفيلم المصري "ريش" للمخرج الشاب عمر الزهيري، في أثناء عرضه في مهرجان الجونة السينمائي. صُدم بعض الممثلين وغادروا قاعة العرض، احتجاجاً على صور الفقر الفجّ ومشاهده، الأمر الذي برّروه بأنها غاية في السوء، وتسيء إلى صورة مصر وسمعتها. وعلى أثر هذا الفعل، حصل الفيلم على تعاطف واسع من غالبية مستخدمي مواقع التواصل الذين لم يكونوا قد سمعوا عنه، وبالطبع لم يشاهدوه بعد. لن تناقش هذه المقالة محتوى الفيلم بالضرورة، وإنما تشتبك مع حالة الجدل العامة بشأنه.
وفقاً لمقالات نقدية عديدة متخصصة كتبت عن "ريش" ووفق مشاهدته، يقدّم الفيلم مشهدية صادمة ومؤلمة جداً، حيث تتحدّث الصور والمشاهد، وتنخفض مساحة السيناريو والحوار، لينطق الواقع ووجوه الناس عن مكنونات ما يريده المخرج، في جوٍّ سينمائي أقرب إلى سينما تاركوفسكي، وهي المشهدية التي قد لا يحتملها ممثلون منعزلون عن مجتمعاتهم، ولا يمثلون إلا أنفسهم خارج مجتمع الكومباوند والأسوار المغلقة ومصر الجميلة التي لا يشاهدون غيرها ولا يستطيعون.

فيلم "ريش" يمثل عملاً فريداً أبعد قليلاً عن السلطة وتصوّراتها وأقرب قليلاً إلى المجتمع

يقدّم الفيلم أيضاً إسقاطاتٍ على المجتمع الصناعي الذي يستعبد الإنسان، بإفرازاته المرضيّة المتمثلة في الدخان والتلوث الذي يقتحم البيوت والشوارع، قبل أن يقتحم رئة الإنسان نفسه، كما يقدم إسقاطاً عن بقايا الصناعات التي لدينا وأحوالها وأحوال العاملين فيها وإهمالها وتحولها إلى مصدرٍ كبيرٍ للنفايات الصناعية الضخمة التي تطغى على كل الموجودات الأخرى، بحيث تتحوّل الآلات إلى مصدر السموم، كما يسقط على وضع السيارات في مصر، حيث كثير منها شديد التلويث للبيئة، ويصدر دخاناً في مشهد ضبابي من كل الاتجاهات. ويشير "ريش" أيضاً إلى الضغوط التي تحوّل الذكور في مجتمعنا إلى دواجن، أو ما نسميه في السياسة تدجين المجتمع وفواعله. وقد جاء استخدام الفيلم الفرخة رمزاً موفّقاً. كما يحضر في الفيلم المستشفى البيطري الذي لا يختلف الوضع فيه كثيراً عما هي عليه مستشفيات بشرية. وتحمل مشاهد محصّلي فواتير الكهرباء والمياه وموظفي الإسكان الشكل الآلي الذي يتعامل به مندوبو الحكومة، في جمع الفواتير وسداد الديون ونظام العمل، مع المواطنين بمنتهى الجفاء والصلف، على الرغم من معاناتهم من الظروف نفسها، فهم عبيد اللوائح والقوانين والمأمور، ويمارسون ما كان بعض أساتذتنا للعلوم السياسية يسمونها تمارين النكد الصباحية والمسائية على المواطنين، في أثناء تقديم خدماتٍ تم تسليع معظمها، بينما لا يزال المواطنون مقتنعين بأنها حقوق لهم، وهي في حقيقتها كذلك في الغالبية العظمى من دول عالمنا.
قد لا يكون "ريش" أفضل ما قدم في السينما المصرية الثرية عن الفقر والمشكلات الاجتماعية الناجمة عنه وعلاقات القوة في المجتمع، لكنه، في سياق سنوات الصحراء والخواء في السينما المصرية في العشرية الماضية، يمثل عملاً فريداً أبعد قليلاً عن السلطة وتصوّراتها وأقرب قليلاً إلى المجتمع، والقليل من هذا النوع من السينما والدراما قد يكون مفيداً للسلطة والمجتمع والعاملين بالفن على السواء، حتى لا يملّ الناس من تكرار الأدوار والمشاهد والصور النمطية لدى نخب الفن عن المجتمعات.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أفاد، في 2018/2017، بأن نسبة الفقر 32% والفقر المدقع 6.2%

تساءل بعضهم أيضاً إذا كنتم تنكرون الفقر في مصر، ألا يجب عليكم أن تحاسبوا الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يكرّر مراراً أننا "فقراء أوي"، ردّاً على منتقدي أوضاع حقوق الإنسان بأننا ليس لدينا تعليم جيد وليس لدينا صحة جيدة .. إلخ؟ فيما تساءل آخرون، باستنكارٍ شديد وبجدّية، عن وضع الفقر الذي يأتي عليه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو جهاز حكومي غالباً ما يكون رئيسه لواء أو فريقاً سابقاً في الجيش أو الأمن لخطورة المعلومات وأهميتها على الدولة المصرية، في عديد من إصداراته، وبالذات نشرة الدخل والإنفاق والاستهلاك التي يقيس فيها معدّلات الفقر في مصر كل سنتين. وقد قال، في 2018/2017، إن الفقر 32% والفقر المدقع 6.2% وهذا يتعلق بكل شخصٍ غير قادر على توفير أساسيات الحياة الضرورية. كما تفيد تقارير للبنك الدولي بأن 65% من المصريين فقراء أو على حافّة الفقر، وفقاً لمعدّلات الفقر الخاصة به، فهل تروّج هذه المؤسسات التي تتعامل معها الدولة المصرية والأجهزة السيادية إشاعات وتسيء إلى سمعة مصر؟ وينجز الجهاز دراسات وتقارير شبه دورية عن تأثير انتشار وباء كورونا على أوضاع الأسر المصرية، وهي مليئة بالحقائق والأرقام الصادمة عن تأثر دخول أكثر من 70% من المصريين بالسلب جرّاء الجائحة، ومن ثم تأثر عاداتهم الغذائية واستهلاكهم سلعاً بعينها، وهي تقارير منشورة على الموقع الإلكتروني للجهاز، وليست كلاماً للمعارضة أو مبالغات.

حصل الفقراء في مصر على صفر مربع طوال أكثر من ثماني سنوات، منذ انتكاس ثورة يناير

جيد في فيلم "ريش" أنه يصدم فئات كانت قد تناست أنّ غالبية مصر كما الأسرة التي شوهدت فيه. وأنه مهما حاولت هذه الفئات تناسي هذه الحقائق، حفاظاً على السلام النفسي المصطنع لها، لن تتمكّن، فهؤلاء بشر ويتحرّكون ويئنون، ويمكنهم إيصال أصوات صريخهم إلى عنان السماء، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي ذاتها انتصرت للفيلم ومخرجه، عمر الزهيري، حتى من دون مشاهدته، لمجرّد الحلم العابر بفنٍ يعبّر عن الناس والواقع، وعن الحياة كما هي خارج أسوار الكومباوند والعاصمة الإدارية ودوائر المطبّلاتية.

وقد أجبرت وسائل التواصل الممثلين والناقمين على الفيلم على تغيير كثير مما قالوه، خوفاً من سخط الجمهور. وفي نهاية الجدل بشأن الفيلم، حصل "ريش" على جائزة أفضل فيلم روائي عربي طويل في مهرجان الجونة، فيما حصل الفقراء في مصر على صفر مربع طوال أكثر من ثماني سنوات، منذ انتكاس ثورة يناير في محاولة إقناع الحكومات والمسؤولين بأن من حقهم انتخاب من يمثلهم ويدافع عن مصالحهم ويضع محاربة الفقر بشقيه، فقر الدخل وفقر الخدمات العامة، نصب عينيه في أي عملية حقيقية لصنع السياسات العامة.

نخب فنية وسياسية وشبكات مصالح اقتصادية واجتماعية معزولة وشديدة التعالي، لا تطيق مجرد مشاهدة مناظر سينمائية للفقر

خلاصة القول، الفقر حقيقة في البيانات المنشورة الصادرة عن الدولة وجهازها المسؤول عن الإحصاء. والمشروعات العملاقة والضخمة للطرق والجسور والمحاور والعاصمة الجديدة والعلمين الجديدة والمونوريل لم تقلّل معدلات الفقر، ولن تقللّه، لأنها لا تتوجه إلى هؤلاء الفقراء بالضرورة. قد يكون لبرامج، مثل تكافل وكرامة وحياة كريمة، تأثير إيجابي، لكن حتى هذا لم يُقس، ولم يُظهر قدرته على نقل الناس فعلاً من الفقر إلى منطقةٍ تتجاوزه.
إننا إزاء نخبٍ فنيةٍ وسياسيةٍ وشبكات مصالح اقتصادية واجتماعية معزولة وشديدة التعالي، لا تطيق مجرد مشاهدة مناظر سينمائية للفقر في مجتمع ثلثه فقير وثلثه الثاني على حافّة الفقر، وفقاً لأهم المؤسسات الدولية المالية والاقتصادية، فكيف بمن يعايشونه بتفاصيله اليومية، بما يفرضه من ظروف عمل قاسية على عشرات ملايين المصريين والمصريات بعوادم هذا العمل وتلوثه، وطرق الانتقال منه وإليه في مواصلات عامة وخاصة رديئة، وفي سياقٍ يعاني من تشوّهات هيكلية، أبرز ملامحها تردّي الأجور وغياب نظام للضمان الاجتماعي، وتأخر تطبيق أنظمة التأمين الصحي الشامل وبطالة مقنّعة وعمل الأطفال وكبار السن وبطالة مرتفعة في المجمل، وهي أشدّ ارتفاعا لدى فئات الشباب، وأشدّ وطأةً على سيداتٍ يتعرّضن بشكل منتظم للتحرّش أو التمييز في الرواتب.