مرتضى منصور الذي أكلته البطّة

02 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

بإطلالة فريق أول، سيصبح عما قريب سيادة المشير، وبخطوةٍ عسكريةٍ صريحة، ظهر رئيس لجنة إدارة الزمالك (المكلف)، وهو يمرق من بوابة النادي الرئيسية لتسلم السلطة، خلفًا للرئيس المنتخب (المعزول) مرتضى منصور.

أطاحوا مستشارا، وجاءوا بمستشار، كل منهما مدني، لكن تفاصيل المشهد كلها عسكرية، وإن لم يظهر على المسرح جنرال واحد. لم يجرؤ المُطاح على الصراخ أو الاعتراض، وهو الذي كان، حتى وقت قريب، يردّد: أنا السلطة والشرعية .. أنا للزمالك كالسيسي لمصر، وكيف يشكو المحارب في صفوف الانقلاب الكبير من آلام انقلابٍ صغيرٍ عليه؟

لا أحد يستطيع أن ينطق كلمة "انقلاب". لا أحد سيعترف بذلك، سواء الذين خرجوا من العملية بالمكاسب، أو الذين خرجوا مكسورين مجروحين. ومع ذلك، ليس للمسألة تعريف آخر.

قل ما شئت في بذاءات مرتضى منصور ومساخره وخطاياه وكوارثه، وافرد براحتك سجله الطويل في السباب والتطاول والطعن والتخوين والتحريض على كل من يختلف معه. ولن أخالفك في أنه هو شخصيًا من أعمدة الانقلاب الكبير، وأنه كان من ألدّ أعداء ثورة يناير التي حلمت بالديمقراطية، وأنه كان يتصرّف في نادي الزمالك، تصرّف السيسي في الدولة المصرية.

أستطيع أن أساعدك في حصر افتراءاته على الجميع وتصنيفها، واستباحته سمعة خصومه، والنهش في معارضي سلطة الانقلاب الكبير .. لكن ذلك كله لا يمنع الإقرار بأنه كان رئيسًا للزمالك بالانتخاب، وأن هناك ملايين من جماهير الزمالك يرونه الأفضل والأنسب لهذه المرحلة. كما أن الفرح على الجانب الآخر بخروجه من المشهد لا ينبغي أن يجعلنا ندلس على الناس وعلى أنفسنا، فننكر أن ما جرى في نادي الزمالك انقلابٌ بالقوة المادية على شرعية انتخابية منحتها أصوات الجماهير لرئيس ومجلس إدارة منتخبين .. وأن المتضرّر هنا ليس شخص مرتضى منصور، بل عشرات الآلاف من الجماهير التي انتخبتها وفجأة وجدت قوةً باطشةً تدوس إرادتها بالأحذية.

للأسف، لن تجد وصفًا، أو اسمًا آخر لشطب مخرجات عملية ديمقراطية سوى الانقلاب، حتى لو كان انقلابًا على شخصٍ يتأذي منه أناسٌ كثيرون، ولا يطيقه أناس أكثر، حتى لو كان ضحايا الانقلاب الكبير في 2013 سعداء بالتخلص من الشخص الذي لم يترك مناسبةً إلا واتهمهم فيها بالإرهاب والخيانة، وجرّدهم من وطنيتهم وحرّض على التنكيل بهم.

بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس محمد مرسي في 2013، جاء النائبان في مجلس الشيوخ الأميركي، ليندسي غراهام وجون ماكين، إلى مصر، وحين سئلا عما جرى لم يجدا مهربًا من وصفه بالانقلاب، فقال ماكين في ذلك الوقت "إن غير المنتخبين هم الذين يحكمون بينما المنتخبون معتقلون". وأضاف ساخرًا من سؤال  هل ما حدث بمصر انقلاب "إذا كانت تصيح كالبطّة وتمشي كالبطّة فهي بطّة". 

فيما يخص مسألة مرتضى منصور ونادي الزمالك، فإن الموقف المبدئي بالنسبة لي أن تكون ضد الانقلاب على نتائج الانتخابات بشكل عام، سواء على مستوى الدول أو الأندية أو  اتحادات الطلاب أو حتى الشركات.

إذا كنت ديمقراطيًا حقًا فلا يجب أن أكيل بأكثر من مكيالٍ في قصة الانقلاب، فأرفضه لو كان على من نحبّه ونحترمه، وأقبل به وأسكت عنه لو كان على خصمٍ لي، وقد سبق وأعلنت، منذ البداية، أنه لو أن أحمد شفيق فاز في انتخابات الرئاسة ووقع ضده الانقلاب العسكري في صيف 2013 لكنت قد دافعت عنه، وعارضت إزاحته من الحكم بالقوة، ذلك أن المسألة ليست انحيازًا لشخصٍ أو انتصارًا لتيار، وإنما هي دفاع عن قيمة موضوعيةٍ وتمسكًا بمبدأ: أن تكون مع الديمقراطية ولو جاءت بمن لا تحب .. وأن تكون ضد الانقلاب ولو ذهب بمن لا تحب .. أن ترى البطة بطّة ولو قلّدت زئير الأسد أو ادّعت أنها غزالة بنت غزلان.

مرتضى منصور من أولئك الذين كرّسوا حياتهم لخدمة البطّة ورعايتها وتسمينها وتقديسها، وافتراس كل من يقترب منها أو يقول لها "أنت بطّة"، بل كان يراها الغضنفر، وكونها انقضّت عليه وافترسته هو شخصيًا، وأراحت كثيرين من طعناته لا يبرّر أن نصفق لفعلها ونشيد بها.

لو فعلت ذلك، فأنت تذعن لمنطق 30 يونيو 2013، وتسلم بما يردّده معسكر الانقلاب من أن ما جرى، بكل تفاصيله وفظاعته ودمويته، كان لابد منه من أجل تصحيح المسار، ومنع الوطن من السقوط والانهيار، تمامًا كما تسمع الآن في نادي الزمالك، وفي مجمع اللغة العربية، بعد الانقلاب على نتائج الانتخاب وإطاحة المنتخب العلامة الدكتور حسن الشافعي، وفرض المعين الدكتور صلاح فضل بالقوة، بترديد مزاعم وأكاذيب إنقاذ المجمع من الأخونة.

ستقول لي إن مرتضى ليس الشهيد مرسي، أو الدكتور حسن الشافعي، سأجيبك: نعم، شتّان بين هذا وهذين، لكن الديمقراطية تستحق، يا عزيزي، إما أن نكون معها على طول الخط، أو نرفضها بإطلاق، ونقول لانقلاب 2013 نحن آسفون ونردّد على طريقة جمهور السيسي "انقلاب انقلاب لكن الحمد لله خلصنا من مرتضى".