مذكرات ناشط مصري .. ثوري سابقاً

10 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تفتقر قوى ثورة يناير في مصر لفضيلة المراجعات والنقد الذاتي. ما قد يعود إلى تسارع الأحداث الكبرى خلال العقد الأخير، وسلوك النظام المصري الذي حوّل حياة معارضيه إلى جحيم بين قتل واعتقال وتهجير، تاركا ضحاياه الأحياء في أعباء نفسية ومادية مضنية. لذا تندر القراءات النقدية التي تقوم بها مختلف قوى يناير عن نفسها. ومن هنا تنبع أهمية ما كتب على الرغم من قلته، وأهمية قراءة ما كتب بحسٍّ نقديٍّ يحاول أن يفهم بموضوعية مزايا مختلف الفاعلين السياسيين وعيوبهم، وأين بدأت جذور الانشقاق والفشل؟

ولا يخفى على أحد الدور المهم الذي قام به الشباب في الدعوة إلى ثورة يناير وتقدّم صفوفها. حيث عاشت مصر قبل الثورة فترة نشط فيها هؤلاء الشباب مستفيدين من الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وانفتاحهم على مختلف التيارات، وعدم تقيدهم بميراث الماضي وتناحر قوى المعارضة التقليدية. كما استفادوا أيضا من تراخي قبضة النظام المصري خلال العقد الأخير من حكم حسني مبارك بسبب عوامل كثيرة، كهرمه، والثقة الزائدة، وضغوط خارجية.

ساهمت تلك العوامل مجتمعة في تكوين جيل من شباب الجماعات والتيارات المختلفة، أطلق الدعوة إلى مظاهرات يناير، وتصدّر صفوفها الأولى، ولعب دورا مهما في تشكيل وعي المصريين بأحداث ثورة يناير المختلفة، وقيادتهم منذ ما قبل انطلاق شرارة الثورة وحتى الفترة الحالية. وهو ما يجعل محاولة مراجعة مواقف هؤلاء الشباب لا تقل أهميةً عن مراجعة مواقف مختلف القوى السياسية المصرية الأخرى.

لا يخفى على أحد الدور المهم الذي قام به الشباب في الدعوة إلى ثورة يناير وتقدّم صفوفها

وتفيدنا في هذا الخصوص شهادات منشورة، لم يتم تسليط الضوء الكافي عليها، لعل من أبرزها مذكرات الناشط المصري، وائل غنيم، مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد". وهي صفحة لعبت دورا قياديا في الدعوة إلى مظاهرات يناير، واستمرت في التأثير على قطاع واسع من المصريين حتى إغلاقها بعد انقلاب يوليو 2013. وما زال غنيم يثير بعض الجدل، خصوصا بعد عودته من عزلة طويلة فرضها على نفسه، وقد تغير كثير من مواقفه، وأصبح يهاجم الكثير من قوى يناير نفسها، ويناصر بعض قوى الثورة المضادّة ونظمها، في تحوّل سلبي يشير إلى حجم الضغوط المختلفة التي تعرّض لها.

نشرت مذكرات وائل غنيم باللغة الإنكليزية في يناير/ كانون الأول 2012 تحت عنوان "ثورة"، وهي بمثابة سيرة ذاتية له ولنشاطه السياسي ورؤيته لدوره في الدعوة إلى ثورة يناير من خلال صفحة "كلنا خالد سعيد". ويكشف الكتاب، بقصد أو بغير قصد، العديد من مزايا وائل غنيم وعيوبه كأحد ممثلي هذا الجيل. وتجب هنا الإشارة إلى أهمية التعامل مع غنيم نموذجا وليس مجرد شخص، أو مثالا معبّرا عن بعض أبناء جيله الذين تصدّروا الصفوف، ولم تتح فرصة فهمهم بشكل دقيق، ومع أن الكتاب صدر قبل أزيد من ثماني سنوات، إلا أنه لم يُلتفت إليه بشكل جاد، على الرغم مما يحتويه من قراءة مهمة لمزايا هذا الجيل من الناشطين وعيوبه، أو على الأقل لبعض أبرز رموزه.

ينتمي وائل غنيم إلى جيل جديد كان أكثر إدراكا من النظام، وقادة المعارضة التقليدية، لأهمية التواصل الإلكتروني وإمكاناته

يكشف غنيم، في الكتاب، عن أسباب نجاحه في الوصول إلى أعداد كبيرة من الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، لعل أولها يكمن من وعيه بأهمية تلك الوسائل من خلال تخصصه الدراسي في هندسة الكمبيوتر، وتخصّصه العملي في مجال التسويق الإلكتروني، سواء من خلال عمله في شركة غوغل المعروفة أو قبل ذلك. حيث يذكر وائل غنيم أنه أسس موقع "طريق الإسلام" الدعوي، والذي تحول إلى أحد أهم المواقع الإسلامية على الشبكة الإلكترونية. ويشير إلى إدمانه التواصل على الإنترنت، وكيف أنه تعرف على زوجته أول مرة على الشبكة العنكبوتية، في إشارة إلى جيل جديد كان أكثر إدراكا من النظام، وقادة المعارضة التقليدية، لأهمية التواصل الإلكتروني وإمكاناته. وهو ما ساعد على انتشار ناشطين وتحالفات شبابية إلكترونيا، كمجموعات المدونين، وحركة 6 أبريل، وغيرهم.

تميز وائل غنيم أيضا، كما يتضح من كتابه، بخلفيته في مجال التسويق، إذ يذكر أنه تعامل مع صفحة "كلنا خالد سعيد"، والتي أسسها في يونيو/ حزيران 2010، بهدف نشرها بين أكبر عدد من الناس من خلال تقديم منتج سهل الانتشار، يتميز بالبساطة واللغة العامية التي يفهمها المصريون، وعدم إثارة مخاوفهم من خلال استخدام لغة صدامية أو مطالبتهم بتبنّي مواقف مكلفة سياسيا وأمنيا. لذا ركز على المطالبة بحقوق الشاب خالد سعيد الذي اغتالته قوات الشرطة في الإسكندرية في 6 يونيو/ حزيران 2010، من خلال توعية الناس ومطالبتهم باتخاذ مواقف سلمية، كالوقفات الصامتة وارتداء قمصان سوداء في علامة على الحداد.

جزء كبير من قدرة وائل غنيم على الوصول إلى شرائح واسعة من الشباب تأكيده المستمر على عدم انتمائه لأي حركة سياسية

ثالثا: يتحدّث وائل أيضا عن مزايا أخرى ساعدته على الانتشار والتأثير، مثل قدرته على حماية هويته الحقيقية فترة طويلة، وانفتاحه على مختلف التيارات، وخصوصا الشبابية منها، وسعيه إلى التنسيق مع حركات شبابية مختلفة، في مقدمتها حركة 6 أبريل وشباب حملة البرادعي. هذا بالإضافة إلى خلفية وائل غنيم الطبقية والاقتصادية التي ساعدته على التعلم والسفر، وكذلك تخصيص بعض الوقت للنشاط الإلكتروني. وإن كان يتحدّث عن التأثير السلبي لانخراطه في السياسة، وفي إدارة صفحة "كلنا خالد سعيد"، على عمله في "غوغل"، وحياته الأسرية، خصوصا في الأسابيع السابقة لثورة يناير.

على الجانب الآخر، تكشف المذكرات، من دون قصد، عيوبا مهمة لوائل غنيم، وربما لبعض أبناء جيله من الناشطين، في مقدمتها ضعف التأهيل السياسي. حيث يتحدث وائل عن نفسه شخصا حرص على تجنب الانخراط في العمل السياسي طوال حياته، خوفا من تكلفتها الباهظة على أمنه ومستقبله، وأن انخراطه في السياسة بدأ مع عودة محمد البرادعي إلى مصر في فبراير/ شباط 2010، أو قبل أقل من عام على انطلاق ثورة يناير، حيث تبرّع لتصميم صفحة للبرادعي على الإنترنت وإدارتها، لنشر معلومات صحيحه عنه، وتشجيع المصريين على الانضمام لحملته، وزاد انخراط غنيم في النشاط السياسي الإلكتروني مع صفحة "كلنا خالد سعيد"، ولكنه ظل نشاطا إلكترونيا، لا يرتبط بنشاط حقيقي على أرض الواقع وبين الناس حتى انطلاق ثورة يناير نفسها.

ومن مفارقات القدر أن أول نشاط سياسي لوائل غنيم على أرض الواقع في مصر كان بعد عودته من محل إقامته في دبي إلى القاهرة، للمشاركة في مظاهرات 25 يناير، والتي لعب دورا مهما في الدعوة إليها من خلال صفحة "كلنا خالد سعيد". أكثر من ذلك، يقول غنيم عن نفسه "لست اجتماعيا بالمعنى الشائع للكلمة. أفضل التواصل مع الناس على الإنترنت أكثر من قضاء وقت معهم أو الخروج في مجموعات. أفضل استخدام البريد الإلكتروني على الهاتف. باختصار، أنا انطوائي في الحياة الحقيقية، وعكس ذلك على الإنترنت".

يكشف كتاب وائل غنيم كيف تمت الدعوة إلى ثورة يناير من دون أي تنظيم جاد أو تفكير في تبعاتها

ثانيا: تبني وائل غنيم رؤية حالمة وغير واقعية للسياسة نفسها. حيث يتضح من قراءة الكتاب أن جزءا كبيرا من قدرة هذا الشاب على الوصول إلى شرائح واسعة من الشباب هو تأكيده المستمر على عدم انتمائه لأي حركة سياسية، وعلى عمله للوطن بشكل عام، وعلى عدم تبنّيه مطالب سياسية معقدة. حيث ركز دوما على أفكار أساسية، كوقف التعذيب في مراكز الشرطة، ومحاسبة وزير الداخلية، ووقف العمل بقوانين الطوارئ. ولم يبدأ في الحديث عن مطالب اقتصادية إلا قبل الثورة بأيام، وكان ذلك من باب محاولة الوصول إلى شرائح أكبر من المصريين وتشجيعهم على التظاهر. وبهذا ساهم غنيم، من دون قصد ربما، في زيادة ازدراء الناس الحركات السياسية التقليدية، ورفضهم العمل مع ما هو قائم أو الانخراط في تنظيمات جديدة، وفي تصوّر أن العمل السياسي عمل حالم، يقوم على أفراد متجرّدين من أي أهداف سياسية أو مادية، يعملون فقط من أجل الوطن، ومن دون أطر سياسية واضحة. وربما ساهم ذلك أيضا في ميلاد فكرة الحشود الضخمة، ومحاولة التأثير على مجريات الثورة من خلال الحشد في الميادين، والتعالي على فكرة التنظيم السياسي.

ثالثا: تظهر من كتاب وائل غنيم الخلفية الطبقية التي ينتمي إليها، حيث يتكرّر في كتابه الحديث عن شخصيات بعينها، كان على قرابة منها فكريا وسياسيا، مثل المخرج عمرو سلامة، والناشط مصطفى النجار، والمسؤول في وزارة الاتصالات المصرية، حازم عبد العظيم، والإعلامية منى الشاذلي، وجميعها شخصيات تنتمي للشريحة العليا من الطبقة المتوسطة على أقل تقدير، وربما تعد نخبويةً، مقارنة بالغالبية العظمى من المصريين. وربما ساعدت تلك الفئة وميلها إلى ثورة يناير على إنجاحها، سواء من خلال اجتذاب دعم المجتمع الدولي أو تشجيع أبناء الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة على المشاركة في الثورة. حيث بدا غنيم نموذجا مثاليا لشباب الثورة، لكونه متعلما وناجحا ويعيش في الخارج ويتحدّث الإنكليزية. ولكنه في الوقت نفسه ساعد على ترسيخ رؤية طبقية للثورة، وكيف يجب أن تقاد. حيث لم ينتبه كثيرون إلى ضعف تأهيله السياسي، أو طبيعته الشخصية التي تفضّل النشاط الافتراضي، أو لقلة خبرته على أرض الواقع، أو ربما تجاهلوا كل ما سبق، حيث بات لدى بعضهم رغبة في أن يتقدم صفوف الثورة من يشبهونهم بدلا من أن يتقدمها من لديهم برامج واضحة أو أكثر تمثيلا للناس وتنظيما لهم.

عاشت مصر قبل الثورة فترة نشط فيها الشباب مستفيدين من الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي

ثانيا: يكشف الكتاب أيضا كيف تمت الدعوة إلى ثورة يناير من دون أي تنظيم جاد أو تفكير في تبعاتها، حيث بدأت دعوة إلى التظاهر يوم عيد الشرطة ضد التعذيب ووزير الداخلية، ولكنها تحولت، بعد نجاح الثورة التونسية، إلى دعوة ثورية. وهنا يكتب وائل غنيم بوضوح "أشعر أن مستوى الطاقة يحلق في السماء ... لست متمرّدا. ولست مجنونا بفكرة إقناع الناس بشيء غير معروف العواقب. وليس لدي خبرة في إدارة حشود كبيرة لو حدث ذلك". وذلك في إشارة إلى حجم الطاقة التي شعر بها الشباب بعد نجاح الثورة التونسية في إطاحة بن علي، وكيف انصبّ تفكير الشباب في مصر على الحشد في الميادين ومفاجأة النظام وقوات الأمن بحشود ضخمة تسقط النظام لو أمكن، من دون أن تكون تلك الدعوة نابعة من شخصيات ثورية، أو شخصياتٍ ذات خبرة سياسية، أو من إدراك جاد لتبعات نحاج مظاهراتهم في إسقاط النظام. لذا يؤكد غنيم على أنه فكر في إغلاق صفحة "كلنا خالد سعيد" لو فشلت المظاهرات.

وهكذا يكشف الكتاب بعض أهم مزايا وعيوب بعض الشباب الذي تصدروا المشهد بعد ثورة يناير بسبب نشاطهم الإلكتروني ودورهم في الدعوة إلى مظاهرات يناير، حيث تميز هؤلاء الشباب، كما يظهر في نموذج وائل غنيم، بالإدراك المبكر لأهمية الإنترنت ووسائل التواصل في الوصول إلى شرائح جديدة من المصريين وتخطّي الرقابة الحكومية، وكذلك بخطابهم البسيط الذي يقدّم صورة مثالية حالمة للوطن والوطنية والتغيير، ويتجنب تخويف الناس من تبعات الانتماء للقوى السياسية القائمة أو استفزاز النظام ومؤسساته الأمنية، ولكنه، في الوقت نفسه، جيل قد يفتقر للخبرة السياسية، يعيش في الفضاء الإلكتروني بعيدا عن الواقع، ويدور في دوائر طبقية محدّدة، ويعارض فكرة العمل السياسي التقليدي، وربما يتعالى عليها وعلى ممارسيها من الجماعات القائمة، كما أنه لا يمتلك برامج واضحة لما يريد، ولا يُحجم عن المغامرات غير محسوبة العواقب. وهي مزايا وعيوب ربما ساهمت بقوة في نجاح الثورة وفشلها معا، ولا تقتصر على الشباب وحدهم.