ما تقتضيه المرحلة في تونس

11 ديسمبر 2020
الصورة

تونسيون في ولاية أريانة يطالبون بدعم وعدت به الحكومة (30/3/2020/فرانس برس)

+ الخط -

مع تصاعد حالات الانفلات الاجتماعي والإضرابات المتتالية في الشارع التونسي، يعود الحديث بشأن أنجع السبل للخروج من الأزمة الحالية، حيث عجزت الأطراف السياسية المختلفة عن تقديم رؤية شاملة، تمكّن البلاد من تحقيق النمو الاقتصادي الضروري الذي سينعكس إيجابا على الوضع الاجتماعي.

من المعتاد في تونس أنه كلما تصاعدت التحرّكات في الشارع، سارعت القوى المختلفة إلى طرح المبادرات والحديث عن حل سياسي للأزمة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار حالة التجاذب السياسي الحادة في البلاد اليوم، إلا أن كل مراقب موضوعي يدرك أن الأزمة الحالية في تونس ليست سياسية على النحو الذي كانت عليه سنة 2013 على سبيل المثال، عندما انطلق الحوار الوطني، لفض النزاع بين القوى المختلفة، بما سمح، في النهاية، بتمرير الدستور الجديد بشكل توافقي، ووضع خريطة طريق في ظل حكومة تصريف أعمالٍ كان المطلوب منها تنظيم الانتخابات، وتيسير عملية الانتقال السياسي من مرحلة الحكم الانتقالي إلى نظام يحكمه الدستور الجديد. 

تصاعد الأزمة في تونس يعود إلى حالة مزدوجةٍ من الاحتقان الاجتماعي من جهة وتراخي أجهزة الدولة من جهة أخرى

أما الوضع الحالي، فإن تصاعد الأزمة يعود إلى حالة مزدوجةٍ من الاحتقان الاجتماعي من جهة وتراخي أجهزة الدولة من جهة أخرى، والأكيد أنه مهما كانت طبيعة الأحزاب التي ستكون في الحكم لن تكون أمامها خيارات سهلة، ولا حلول جاهزة، فالحل الأمني لم يعد ممكنا بعد الثورة التونسية، والجميع يدرك أن أي تدخل قمعي عنيف لفض الاعتصامات أو مواجهة التحرّكات الاجتماعية سيفضي إلى نقيضه تماما، أعني إلى تمدّد الاحتجاجات، وليس إلى الحد منها. والأمر الثاني، الاحتجاجات الحالية (من إغلاق متكرّر لبعض الطرق أو لمنشآت حيوية) ليست من قبيل الإضرابات المؤطرة نقابيا، وإنما هي، في الغالب الأعم، تحرّكات لعاطلين عن العمل، يطالبون بحق الشغل، أو لجهات محرومة من الأساسيات، تطالب بالتنمية وتحسين أوضاعها الحياتية. وفي الحالتين، هي خارجة عن نطاق المنظمات النقابية التي يمكن التفاوض معها، أو اعتبارها طرفا يمكنه التحكّم في مسار الأحداث. 

في ظل هذا المشهد الاجتماعي المتوتر، تأتي مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي عرضها على رئيس الجمهورية، وتضمنت جوانب اجتماعية، أهمها إنقاذ المؤسسات العمومية، وعدم التفريط فيها، ووضع المؤسسات المصادرة، وإصلاحات في مجالات التربية والصحة، والنهوض بالفئات الفقيرة، كما تضمنت جوانب دستورية، هي في الواقع ليست بالضرورة ما يشغل المواطن التونسي في هذه اللحظة، مثل مراجعة النظام السياسي والانتخابي، والتعجيل بتشكيل المؤسسات الدستورية المعطلة؛ ومن بينها المحكمة الدستورية، وهيئة الانتخابات، والهيئة العليا للإعلام السمعي والبصري.

تحتاج تونس اليوم تحرّك الحكومة ضد الاقتصاد الموازي، وفتح ملفات الفساد المالي والتهرب الضريبي

وبعيدا عن هذه المقترحات العامة، والتي لا تتطلب حوارا بقدر ما هي جزءٌ من العمل المطلوب من الهيئات التشريعية والتنفيذية، فإن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل هي في جوهرها سياسية، وهي لا تقوم على أساس حوار وطني شامل، وإنما تتأسس على فكرة الحوار بين قوى سياسية معينة، حيث تم استبعاد قوى حزبية وبرلمانية محدّدة، هي أساسا كتلتا ائتلاف الكرامة وقلب تونس، وهو ما يجعل المبادرة أقرب إلى حوار لإيجاد توافق بين القوى السياسية التي شاركت في حكومة إلياس الفخفاخ، ثم تفرقت نتيجة تضارب الرؤى وسوء إدارة رئيس الحكومة السابق، بما جعله موضع اتهام بسوء التصرّف واستغلال موقعه في الحكم للاستفادة ماليا.

الأكيد أن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل تظل قاصرة عن ملامسة جوهر الأزمة الفعلي في البلاد، فما تحتاجه المرحلة ليس حوارا بين قوى سياسية بذاتها لإيجاد صيغة تعود من خلالها إلى السلطة، بقدر ما هو مطلوب البحث في جذور الأزمة التي عطّلت الإنتاج، وتسببت في حالة تباطؤ اقتصادي حاد، ومنها الإضرابات والمطالبة المفرطة بالزيادة في الأجور، وتضخم القطاع العام، على الرغم من ضعف إنتاجيته. وكل هذا يتحمل الاتحاد العام التونسي للشغل جانبا مهما من المسؤولية عنه، فالمرحلة الحالية في تونس تقتضي تحديد المسؤوليات واتخاذ إجراءات مهمة: أولها الدخول في هدنة اجتماعية، كان على المنظمة النقابية الكبرى أن تعلن عنها في مبادرتها. وثانيها تحرّك الحكومة ضد الاقتصاد الموازي، وفتح ملفات الفساد المالي والتهرب الضريبي، وصولا إلى وضع خطط اقتصادية تجعل المواطن يشعر بوجود سعي جاد إلى حل أزمات البطالة والتفاوت بين الجهات. أما تكريس الرؤية السياسية والعودة إلى الصراع على المواقع السلطوية، فلن يزيد إلا في تكريس الأزمات المتتالية ومراكمتها من دون التقدم إلى حلّها، وشتّان ما بين حل الأزمات فعليا والاستثمار فيها سياسيا.