لبنان وخيارات الحل الممكنة

لبنان وخيارات الحل الممكنة

22 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

بعد استفحال الأزمة اللبنانية التي تشدّ بشراستها على خناق اللبنانيين، وتنذر بإشعال الاضطرابات الاجتماعية والأمنية، وبعد تعثّر جميع المبادرات الداخلية والخارجية وتعمّق الخلافات بين الفرقاء اللبنانيين، وخصوصاً بعد النفق الجديد الذي دخلته أزمة تشكيل الحكومة العتيدة، عقب حرب البيانات الثقيلة التي اندلعت بين الرئاستين الأولى والثانية، ارتفع منسوب الكلام عن شبه انعدام فرص تأليف حكومة برئاسة سعد الحريري في عهد ميشال عون، بعد أن نعت أطراف سياسية عديدة مبادرة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، على خلفية حرب البيانات، واصطفافه إلى جانب الحريري ضد الرئيس عون.
في ظل هذا المشهد المثقل بانعكاسات التشقق والشقاق، تبقى الرهانات للخروج من هذه الأزمة مفتوحة على طروحات قليلة، معقدة بحساباتها ونتائجها، وسط سجالات حادّة تتباين فيها المواقف والآراء، مع تمسّك كل طرف من أطراف الخلاف بمواقفه، وتمترسه خلف جدار الصلاحيات الدستورية، بحيث يمكن الحديث عن مجموعة الخيارات المحتملة لمسار الأزمة، في ظل حالة الاستعصاء وحرب البيانات.
تتراوح الخيارات الداخلية بين ثلاثة حدود، الأول تسوية ينتج عنها تشكيل حكومة يقودها الحريري. وقد أصبح هذا الخيار مستبعداً في الوقت الراهن، في ظل تمسّك كلّ من أطراف الخلاف بشروطه وتمترسه خلف صلاحياته الدستورية، بحيث أصبحت الأزمة أزمة حكم وأزمة نظام، لا أزمة حكومة.

يمكن استبعاد موافقة الحريري على تسمية شخصيةٍ سنيّة بديلة عنه لرئاسة الحكومة، خصوصاً بعد الدعم الذي حظي به على المستوى الطائفي

وضمن هذا الحد أيضاً، يمكن استبعاد الطرح الذي ينادي بتشكيل حكومةٍ مهمّتها الإشراف على الانتخابات النيابية المقرّرة في مايو/ أيار المقبل، وانتخابات رئاسة الجمهورية في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ويعود السبب إلى أحد أمرين: ألا تجري الانتخابات لعدم توافر الحدّ الأدنى من الأمن، ما يؤدّي إلى تمديد مجلس النواب الحالي لنفسه، وبالتالي استمرار الطبقة السياسية في ممارساتها، غير مكترثة بمصير لبنان وشعبه. أو أن تجري الانتخابات وفق قانون الانتخاب الحالي، الأمر الذي يؤدّي إلى إعادة إنتاج السلطة نفسها والطبقة السياسية نفسها، وبالتالي تمديد مفاعيل الأزمة الراهنة، وكأن رحاها تدور على رمال متحركة.
الحد الثاني اعتذار الرئيس المكلّف سعد الحريري، وهذا الخيار أيضاً شبه مستحيل، كونه سيُظهر الحريري بمظهر الخاسر أمام عون ورئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وكذلك سيضر بعلاقته مع نبيه بري، خصوصاً أن تريّث الحريري في الإقدام على هذه الخطوة، بحسب ما بات معروفاً، يعود إلى اتفاق ثابت مع برّي الذي دخل في الخلاف طرفا مع الحريري ضد عون وباسيل.
وضمن هذا الحد أيضاً، يمكن استبعاد موافقة الحريري على تسمية شخصيةٍ سنيّة بديلة عنه لرئاسة الحكومة، خصوصاً بعد الدعم الذي حظي به على المستوى الطائفي، بعد بيان المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وهو بالتالي قد يستفيد من هذا الأمر لسحب الشرعية الطائفية عن أي مرشّح قد يوافق على تولّي المهمة من بعده.

الوضع اللبناني الحالي لا يندرج ضمن الأولويات السياسية للقوى الدولية الفاعلة وهمومها

الحد الثالث فوضى الشارع الناتجة عن ازدياد تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، الأمر الذي يفتح الباب أمام طروحاتٍ خارجيةٍ جديدة من خارج المعادلة القائمة، والتي يتقدّمها الطرح الخاص بإيجاد آلية دولية لإدارة الأوضاع في لبنان، في ظل حالة الاستعصاء في تشكيل الحكومة، وتدهور الأمور الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والأمنية. وقد ألمح إلى هذا الطرح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أثناء زيارته لبنان، عقب انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب 2020، عندما تحدّث عن آلية دولية لضمان استمرار الخدمات في لبنان، للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
وعلى الرغم من أنّ الوضع اللبناني الحالي لا يندرج ضمن الأولويات السياسية للقوى الدولية الفاعلة وهمومها، إلا أن الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للأزمة قد تدفع قوى دولية فاعلة، وخصوصاً فرنسا والاتحاد الأوروبي، إلى الدفع نحو تطبيق هذا الطرح، وخصوصاً في حال انعكاس هذه الأزمة على الأوضاع الأمنية وانفلاتها، وبالتالي عدم الاستقرار الذي قد يدفع موجات هجرة لبنانية كبيرة وغير شرعية باتجاه أوروبا.

الجيش اللبناني يشكّل الملاذ الأخير للمجتمعين، اللبناني والدولي، كونه يمثل عامل الثقة الوحيد لكثيرين في ظل استمرار الأزمة السياسية واستعصائها

وفي هذا الإطار، يمكن وضع مؤتمر باريس قبل أيام، وخصّص لدعم الجيش اللبناني في إطار الطرح السابق. وقد يفتح مثل هذا المؤتمر الباب أمام إدارة دولية للبنان بالتقسيط، عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية بمؤتمرات لمنع انهيارها، وخصوصاً بعد التقييم الأوروبي أخيرا، وفيه أن لبنان تخطّى مرحلة الوقوف على حافّة الهاوية وبدأ يتهالك. ومن طروحات أخرى من خارج المعادلة السياسية القائمة القول بمرحلةٍ انتقاليةٍ، يقودها الجيش اللبناني، للحفاظ على الحد الأدنى المطلوب من الاستقرار، وتهيئة الأجواء لانتخابات مايو/ أيار 2022 النيابية. وعلى الرغم من خطورة هذا الطرح، وتخوّف لبنانيين كثيرين من فكرة تشكيل حكومة عسكرية، إلا أن الجيش اللبناني يشكّل الملاذ الأخير للمجتمعين، اللبناني والدولي، كونه يمثل عامل الثقة الوحيد لكثيرين في ظل استمرار الأزمة السياسية واستعصائها.
في المحصلة، البحث عن مخارج داخلية للأزمة في لبنان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، طالما أن النيات معدومة للالتقاء حول نقطة سواء. لذا يبقى المحرّك الوحيد لحالة الستاتيكو تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بشكل يقود إلى فوضى، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام طروحاتٍ جديدة من خارج المعادلة القائمة، قد تطيح كل الطبقة السياسية الحالية لإعادة إنتاج السلطة، بأسماء وشخصيات جديدة، بعيدة عن الطبقة السياسية الفاسدة، وبعيداً عن المحاصصات والولاءات الحزبية، تكون قادرة على انتشال لبنان من محنته المركّبة.