لا عزاء للمسنين

18 يناير 2021
الصورة

(فاتح المدرس)

+ الخط -

قصة محزنة رواها صديقٌ عن مرض والدته. قال، بلهجةٍ حزينةٍ مستسلمة: لم يكن في وسعنا وأشقائي فعل شيء سوى التناوب على رعايتها. قال الطبيب لنا إنه ليس هناك ما يمكن أن نفعله بعد الآن. إنها الشيخوخة التي لا دواء لها ولا مناص من مواجهتها. .. مع مرور الأيام، أصبح الأمر شاقا. لم نفكر لحظة في إيداعها دار المسنين. ولم يتأخر أي منا عن موعد مناوبته، يحضر الواحد منا قبل مغادرة الممرّضة التي ترافقها طوال النهار، يقضي الليل راعيا أمه. قبل أن يتمكّن الخرف من خلايا دماغها، كانت سيدة وقورا على درجة عالية من الثقافة، تتمتع بالحكمة والرصانة، وهي الحاصلة على درجات علمية عليا، نرجع إليها في كل صغيرة وكبيرة، نأخذ بنصائحها الثمينة، ليقيننا بسداد آرائها، وحسن تقديرها الأمور. حين هجرها والدي، كانت في الخامسة والثلاثين من عمرها، غادر في لحظة تهوّر إلى أميركا، بحثا عن حياة أخرى، مخلفا لها أربعة أبناء، لم يتجاوز أكبرهم العاشرة. اختفى أثره إلى غير رجعة، بعد أن أرسل إليها ورقة الطلاق، فكرست أحلى سنوات عمرها من أجلنا. 
كدّت وناضلت وصبرت، وحققت نجاحا مهنيا واجتماعيا، مكّنها من توفير حياةٍ لائقةٍ لنا. أحسنت رعايتنا، ووفرت لنا كل سبل العيش الكريم. وأحسّت بالفخر دائما، بسبب تفوقنا في الدراسة، ونجاحنا في العمل، واعتبرته نجاحا شخصيا لها. غمرها الفرح، حين استقلّ كل منا في بيت الزوجية، وأنجب لها الأحفاد الذين كانوا مبعث بهجتها في سنوات تقاعدها، وظل بيتها مكتظّا بهم، يزورونها باستمرار، ويتنافسون في نيل رضاها وقلبها يقفز فرحا، لإحاطتهم بها سوارا من حب وأمان. 
تغيّر كل شيء، حين تقدّم بها العمر، فتبدّلت الأدوار، وتحوّلت الوالدة إلى كائن ضعيفٍ هشٍّ ومشتت، غير قادر على تمييز الأشياء. ما زاد من وقع المأساة أن "مونتاجا" جرى لما حدث في ذاكرتها، فانشطبت تدريجيا كل ذكرياتها الحلوة ولحظاتها السعيدة. اختفى كل شي مُفرح، وتبقت ذكرياتها الحزينة فقط، ما حوّلها إلى عجوز غاضبة طوال الوقت، تشعر بالحنق والقهر، وتميل إلى الشجار مع أشباح، لا يراهم سواها. عجزنا عن تذكيرها بأيامها الحلوة، مستعينين بالصور وشرائط الفيديو، صور مع أفراد العائلة، وأخرى مع صديقاتها المقرّبات، وقد رحل معظمهن عن هذه الدنيا. اعتدن أن يقضين أجمل الأوقات معا. كل تلك التفاصيل تم محوها من ذاكرتها، وكأنه لم يحدث قط، وكأنها لم تختبر في حياتها سوى الغدر والحرمان وفراق الأحبة، وطغى الغضب والحزن على كل شيء. 
قصة حزينة تبعث على الأسى، وتدفعنا إلى التأمل في هذه الحياة الجائرة التي تقودنا، في النهاية، ومهما حققنا من إنجازات، إلى مصائر مرعبة، فتجرّدنا حتى من ذكرياتنا الجميلة. حظيت تلك السيدة بعناية وحب العائلة التي صانت شيخوختها، وحفظت كرامتها، على النقيض من كهول كثيرين، عاثري الحظ، ابتلوا بظروفٍ مؤسفة، لا حول لهم ولا قوة. تخلت عنهم عائلاتهم من دون رأفة، فانتهت حياتهم غرباء ملفوظين في دور مسنين بائسة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الظروف الإنسانية في بلادٍ غير رحيمة، تنظر إليهم عبئا فائضا عن الحاجة، فلا قوانين تؤمنهم صحيا، ولا ضمان اجتماعيا يقيهم شر السؤال في أرذل العمر. وعلى الرغم من تلك الحالات الكثيرة التي تقطع القلب لكهول منبوذين في تلك الدور، ما زلنا نتشدّق بكل حماقة بتميزنا على الغرب الكافر، وهو الذي يوفر للمسنّين من أبنائه ظروف عيشٍ تصون كرامتهم، فيخصهم بتسهيلاتٍ في استخدام وسائل المواصلات والمرافق العامة، ويؤمنهم صحيا واجتماعيا ونفسيا ومعيشيا، غير أننا نعتقد، بلا مسوّغ واقعي، بتفوّق أخلاقي وإنساني، من حيث علاقاتنا العائلية المتينة، وتكافلنا الاجتماعي، واحترامنا وتقديرنا كبار السن. وهي في الواقع مجرّد أوهام نسكّن بها ضمائرنا الغائبة في سبات عميق.