كي لا نعتاد المشهد

كي لا نعتاد المشهد

08 فبراير 2024
+ الخط -

مشهد غزة أصعب من أن نعتاد عليه، حتى وإن مرّت شهور أربعة على بدء العدوان الصهيوني.

نعم... الخبر واحد وإن تعدّدت العناوين، والصور متشابهة وإن اختلفت الوجوه، والصرخات هي نفسها وإن صدرت في كل مرّة من شخصٍ جديد، والدماء في كل غزّة باللون نفسه، لكن عدّاد الموت يتصاعد والأرقام ترتفع، والدمار أصبح كاملاً وشاملاً في كل أنحاء القطاع. وما كنّا في البداية نشهق رعبا عند سماعه أصبح هو ما نسمعه كل دقيقة تقريبا.

لا شيء يتغيّر منذ زمن طويل. الجريمة واحدة والمجرم لا واحد، وإن طلّ علينا بأوجه كثيرة خارج فلسطين تضاهي وجهه القبيح في الداخل. والضحية دائما هي الشعب الفلسطيني. وهذا هو ما يجعل كثيرين عرضةً لاعتياد المشهد والأرقام والأخبار والصور والصرخات والنداءات، ويجعلهم أيضا عرضة للتناسي والتجاهل وحتى الملل.

هي طبيعة البشر في البحث عن جديد حتى في سبيل التعاطف معه، وهي طريقتنا نحن البشر في التعاطي مع الأخبار والصور والمشاهد والمقاطع الحزينة والسعيدة، والمرعبة والمفرحة. نبحث عمّا يكسر المألوف، والاحتلال الصهيوني لفلسطين وما نجم وينجم عنه من تقتيلٍ وتشريدٍ وتهجيرٍ وقصفٍ وتجويعٍ مألوف جدا. صحيحٌ أن هناك أحداثا مفاجئة أحيانا في سياق الاحتلال التاريخي المألوف لفلسطين تنجم عنها دهشة صادمة، لكنها سرعان ما تتلاشى تدريجيا حتى تموت!

فما الجديد هذه المرّة؟ مثل كل مرّة... يقصف الصهاينة الفلسطينيين والفلسطينيون يقاومون حتى الموت بكل عناوينه الواسعة. لا ينتظرون إجابة لأنهم يعلمون أنها إجابة واحدة لا تتغيّر منذ ما يقرب من ثمانية عقود.

يستدرج السؤال المتكرّر إجابة واحدة تبريرا للتناسي وخفوت الصوت. لكن الاحتلال قديم جدا، وما يفعله متكرّر ليس منذ 7 أكتوبر، بل منذ وطئت قدم المحتلّ أرض فلسطين. لا جديد فعلا، ولكن هذا ليس مبرّرا للاعتياد، والاعتياد ليس مبرّرا للتناسي، والتناسي ليس مبرّرا للتجاهل، والتجاهل ليس مبرّرا للسكوت وصولا إلى تبرئة المجرم بفعل بقاء الوضع على ما هو عليه، وبحجّة أن كل ما فعلناه (وكأننا فعلنا شيئا حقيقيا!) لم يوقف الرصاص ولا شلالات الدم ولا قوافل الموت على أرض فلسطين.

يعرف الفلسطينيون قبل غيرهم هذا الواقع الأليم، يعيشونه يوميا، ويكابدون تبعاته لحظة بعد لحظة، ويجاهدون أنفسهم قبل العدو، في سبيل مكافحته، ومع هذا لا ييأسون، لأنهم مؤمنون بأنهم أصحاب حق، وأنهم قادرون، في النهاية، على استرداد الحق، وربما لهذا بقيت القضية الفلسطينية مشتعلة في نفوسهم ونفوس أبنائهم وأحفادهم وأبناء الأحفاء، وستبقى دائما حتى التحرير بإذن الله.

وفي كل واحدةٍ من حلقات النضال الفلسطيني المستمرّ، نتعلم درسا جديدا يخصّنا نحن الذين نتضامن مع القضية قدر المستطاع، وهو أننا نحتاج أن نكون مع الفلسطينيين أكثر من حاجته هو إلينا. ولا ينبغي أن يكون اعتيادنا على المشهد الفلسطيني سببا في نفورنا من متابعة تفاصيل ما يحدُث والاغتسال الافتراضي بالدم البريء. لذلك علينا ألا نخضع لفكرة الاعتياد، وأن نقاومها، وأن نعتبر كل موت جديد موتاً ضخماً وجريمة لا تغتفر ولا يمكن القبول بها لمجرّد أنها جريمة معتادة، وأنه مجرد رقم في عداد الأرقام اليومي للشهداء.

ليست فلسطين حالة عادية لتكون خاضعة لمنطق الملل من الاعتياد، بل وطن محتل، بكل ما فيها، والشعب الفلسطيني حي، رغم كل ما يفرض عليه من موات متعمّد، وعلينا أن نستمرّ مؤمنين بذلك حتى يتحرّر، وإن تكرّرت المشاهد كلها واختلطت الصرخات وتشابه لون الدم في يومياتنا وتفاصيل حياتنا.

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.