كيف صدمت ثورة يناير الداعين إليها

14 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

بعد مضي عقد على ثورة يناير، يظل كتاب عزمي بشارة "ثورة مصر: الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير"، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016) السجل الأهم لأسابيع الثورة المصرية الأولى وتطوراتها، وهو يتميز بأنه يتضمن لقاءات مع حوالي 90 من نشطاء الثورة، ويتميز بملاحظات تحليلية ثاقبة عن تطور الأحداث خلال الأيام والأسابيع الأولى، ودلالات ذلك على مستقبل الثورة نفسها.

يرصد الكتاب أن الدعوة إلى التظاهر في 25 يناير/ كانون الثاني 2011 راودت القائمين على صفحة "كلنا خالد سعيد" على "فيسبوك" في أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، بالتوافق مع سعي مؤسسي الصفحة إلى إطلاق مشروع لمراقبة انتهاكات الشرطة المصرية. وفي أواخر ديسمبر/ كانون الأول، قرّر مؤسسو الصفحة مع ناشطين آخرين الدعوة إلى التظاهر يوم عيد الشرطة، وكانت أقصى أمانيهم في ذلك الحين وقف التعذيب وإقالة وزير الداخلية.

ولم يتوقع هؤلاء الشباب أن الثورة التونسية سوف تتطوّر سريعا، وأن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي سوف يهرب إلى السعودية في 14 يناير، وهو ما بثّ روحا جديدة فيهم وفي متابعيهم على وسائل التواصل. ويذكر الكتاب على لسان مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد"، وائل غنيم، أنه قام بتغيير اسم الدعوة من "الاحتفال بعيد الشرطة 25 يناير" إلى "25 يناير: ثورة على التعذيب والفقر والفساد والبطالة"، وهنا يقول وائل: "لم أستطع أن أقاوم استخدام كلمة ثورة، كل هذا وأنا الذي لا أعتبر نفسي ثائرا، كأن الأمر غاية الغرابة بالنسبة إلي". 

بعد مضي عقد على ثورة يناير، يظل كتاب عزمي بشارة "ثورة مصر: الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير"، السجل الأهم لأسابيع الثورة المصرية الأولى وتطوراته

والواضح هنا، كما يذكر الكتاب، أن صفحة "كلنا خالد سعيد" كانت أشبه بذراع إعلامية للدعوة إلى التظاهر، وأن من قام بالترتيب للمظاهرات في العاصمة مجموعات شبابية أخرى، وأن القائمين على الصفحة لم يكونوا على درايةٍ بتلك الخطط حتى العشرين من يناير، وحتى اتصل وائل غنيم بأحمد ماهر من حركة 6 إبريل التي لعبت دور المنسق بين الصفحة وبقية المجموعات الشبابية. والواضح أيضا، كما يفيد الكتاب، أن الثورة التونسية بثت في الشباب حماسة، وجعلتهم يشعرون بأن الحشود الكبيرة قادرة على إسقاط الأنظمة، وأن للشباب دورا رئيسيا في ذلك. كما يذكر المؤلف أن الشباب كانوا منفتحين على مختلف التيارات، حيث كان غنيم يتمنّى مشاركة الإخوان المسلمين في المظاهرات التي دعا إليها، لما لهم من وزن وقدرات تنظيمية. 

ويعتقد بشارة أن مجموعات شبابية مختلفة شاركت في الإعداد للتظاهر في 25 يناير استجابة للدعوة، وأن تعدّد تلك الجماعات يفسّر انقساماتها وخلافاتها فيما بعد، ولكن يبقى أن حوالي 40 شخصا ينتمون إلى أربع مجموعات شبابية، حركة 6 إبريل، وحركة شباب من أجل العدالة والحرية، وحملة دعم محمد البرادعي، وشباب الإخوان المسلمين، هم من دعوا إلى التظاهر في 25 إبريل، ونسقوا في ما بينهم. 

وكانت الخطة الرئيسة للتظاهر تقضي بمفاجأة قوات الأمن المصرية، والخروج عما اعتادت عليه القوى السياسية. حيث اعتادت تلك القوى تنظيم وقفات نخبوية أمام نقاباتٍ كالأطباء والصحافيين أو دار القضاء العالي، لتسجيل مواقفها ومطالبة السلطات بإصلاحات منخفضة السقف. والجديد في دعوة 25 يناير كان عدم الاكتفاء بتلك الوقفات، ولكن تنظيم مظاهرة جماهيرية تنطلق في شارع ناهيا في بولاق الدكرور، على أمل أن تتمكّن المظاهرة من حشد حوالي خمسة آلاف متظاهر، وأن تستمر حتى ميدان مصطفى محمود، على أن تنفضّ في الخامسة مساء. ولم تتعد مطالب الشباب، في تلك اللحظة، إلغاء حالة الطوارئ وإقالة وزير الداخلية وإعادة انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وهي مطالب ظلت مسيطرةً على عقولهم حتى بعد نجاح المظاهرة غير المتوقع والصادم لهم، وتمكّنها من دخول ميدان التحرير، حيث فوجئ الشباب بهتافات المتظاهرين تطالب بسقوط النظام ورحيل حسني مبارك. 

كانت الخطة الرئيسة للتظاهر تقضي بمفاجأة قوات الأمن المصرية، والخروج عما اعتادت عليه القوى السياسية

يرصد الكتاب خطة المتظاهرين الشباب الأصلية، وكيف فوجئوا بالأعداد الضخمة التي احتشدت خلفهم أو تفجّرت حولهم، حيث نجحت المظاهرة في حشد حوالي خمسة آلاف متظاهر خلال نصف ساعة فقط، كما نجح حوالي خمسين ألف متظاهر في دخول ميدان التحرير، على الرغم من عمليات الكر والفر مع قوات الأمن المركزي. ويقول الكتاب أيضا إن الأعداد الكبيرة للمتظاهرين فاقت توقعات الشباب وقوات الأمن معا. 

وترتبط أسباب نجاح الحشود الجماهيرية بعوامل كثيرة خارجة عن إرادة الداعين إلى المظاهرة وخططهم، فقد ارتبطت بضجر المصريين، وخصوصا سكان المناطق الشعبية في القاهرة من نظام مبارك نفسه، ومدى تفشّي البطالة والفساد وتراكم الكوارث خلال عهد مبارك. والواضح أيضا أن المظاهرات لم تقتصر على القاهرة، بل خرجت في محافظات أخرى، كالغربية والإسكندرية والسويس، في علامة على مدى الاستعداد الذي وجدته الدعوة لدى المصريين، خصوصا بعد الثورة التونسية، وعلى وجود جماعاتٍ عديدة شاركت في الدعوة إلى التظاهر وتنظيمها، من دون أن تعرف بعضها.

صفحة "كلنا خالد سعيد" كانت أشبه بذراع إعلامية للدعوة إلى التظاهر

وهذا يعني أن المظاهرات جمعت، كما يشير بشارة، بين العفوية والتنظيم، فهناك مجموعات شبابية لعبت دور الداعي والمنظم لتلك المظاهرات، ولكن الاستجابة الجماهيرية غير المتوقعة هي ما جعلت لهذه الدعوة قيمة، وساهمت في نجاحها. ولهذا اتسمت المظاهرات، كما يذكر الكتاب، باللامركزية الهائلة، وهو ما ساهم في نجاحها، وجعل مهمة قضاء قوات الأمن عليها مستحيلة، ولكنه أيضا زرع بذور فشل ثورة يناير نفسها، إذا ظلت، حتى النهاية، ثورة لامركزية بلا قائد، تدار من الميادين، ومن خلال جماعاتٍ كثيرة متصارعة، عصية على التوافق والتنظيم. 

يتحدّث الكتاب أيضا عن دور جماعات المعارضة التقليدية، كالأحزاب وجماعة الإخوان المسلمين، ويقول إن بعضها لعب دورا مكمّلا للنظام، كمعارضة لا تهدف إلى الوصول إلى الحكم، وإنما تلعب دورا حدّده لها النظام بعناية، كأحزاب التجمع والناصري التي رفضت الدعوة إلى التظاهر، وحزب الوفد الذي ظل يبحث عن مخرج للنظام، حتى بعد أن اضطر للمشاركة تحت ضغطٍ من شبابه، ولكن كانت هناك أحزاب وقوى أخرى رافضة للنظام، وفي مقدمتها الإخوان والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) والاشتراكيون الثوريون والجمعية الوطنية للتغيير وأحزاب الجبهة الديمقراطية والعمل والغد (جبهة أيمن نور)، وهي الجماعات التي شاركت رموزها في الوقفات الرمزية أو النخبوية يوم 25 يناير.

مجموعات شبابية لعبت دور الداعي والمنظم لتلك المظاهرات، والاستجابة الجماهيرية غير المتوقعة ساهمت في نجاحها

ويشير الكتاب إلى تردّد جماعة الإخوان في المشاركة، سواء في الوقفات النخبوية أو المظاهرات الجماهيرية بسبب خوفها من القمع، ومن تحميل النظام لها المسؤولية عن كل ما يحدث، ولكن الجماعة شاركت تدريجيا تحت ضغط من شبابها، وعدد من قياداتها المتوسطة كمحمد البلتاجي، حيث أعلنت الجماعة أولا رفضها المشاركة في وقفات 25 يناير، على أن تترك لأعضائها كأفراد حرية المشاركة، وتردّدت في دعم المظاهرات التي وصلت إلى ميدان التحرير في اليوم نفسه قبل أن ترسل البلتاجي إلى الميدان لتقييم ما يحدث، كما لم يكن محمد البرادعي في مصر في 25 يناير، وعاد إليها من الخارج صباح 27 يناير ليعلن المشاركة في مظاهرات 28 يناير، والتي أعلن الإخوان المشاركة فيها بكامل طاقتها، على أن يلتزم أعضاؤها بالتظاهر أمام المساجد الكبرى في محافظات الجمهورية، من دون التوجه إلى ميدان التحرير، وهو ما تجاهله شباب الجماعة، كما يذكر الكتاب. 

وبهذا تلخص الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير، وكيفية تطورها، مزايا وعيوبا كثيرة للثورة نفسها، فقد تميز الشباب بحماستهم وقدرتهم على الحوار مع بعضهم، وبرغبتهم في تحقيق أهداف كبرى كإسقاط النظام، وبرفضهم القوالب الحزبية القديمة، والاكتفاء بتسجيل المواقف السياسية، ولكنهم افتقروا للتنظيم وإدراك أن النظم لا تتغير بتغيير رؤوسها فقط، ولم يدركوا تعقيدات المشهد المصري، ودور مؤسسات الأمن المختلفة، كالجيش، داخله وعلاقته بالنظام، هذا بالإضافة إلى اعتمادهم على الميادين والحشود لغة أساسية للتأثير حتى نجاح الجيش في الانقلاب على الثورة في يوليو/ تموز 2013. أما القوى التقليدية فكانت منقسمةً بين أحزاب هي جزء من النظام، وقوى أخرى ترفض النظام شاركت بتردّد في المظاهرات، خوفا من القمع، وبسقف مطالب منخفض، كما عانت أيضا من الخلافات الداخلية بدرجةٍ لم تختلف كثيرا عن انقسامات الشباب، وربما كانت أكثر حدّة وعمقا تاريخيا.