كورونا والمزيد من إضاعة الوقت

26 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

الوباء يجمّد الحياة بإجراءاته القسرية. يلْجم المستقبل، ينْهى عنه. يوقف الأنشطة المهمة والثانوية. لقمة العيش واللهو. الجهد والاحتفال. كما الجدّ والمرح، أو اللعب والمزاح. كل هذا يحْكم الوباء إغلاقه بمسامير من الضجر. وللضجر علاقةٌ حميمةٌ بالوقت، ومعاديةٌ له في آن. يريد له أن ينتهي. لينتقل إلى الوقت المرجو، إلى الإنشراح. وفي الضجر إضاعةٌ أكيدةٌ للوقت. وأنت غارقٌ فيه، لا تنجو منه. لا تستطيع أن تنجو منه. تنْقصك الطاقة على ذلك. فيما الضجر سحبها من روحك.
مع الوباء، يصبح الوقتُ متوافراً بما يشبه السيل الجارف لأنهر شرسة. طوفانٌ تغرق في مياهه. لبرهةٍ تعتقد أنك، مع العزلة والثبوت، يمكن لفائض الوقت هذا أن يريحك من مشقّات كسب العيش، أو الاستمرار على قيده. ولكنك، بسرعةٍ، تنتبه إلى ما يفعله هذا الفائض بكَ: إرهاق جسدي، معنوي، نفسي، روحي. تعب من ضياع الشعور بالوقت. وتعب من فقدان الروتين والإنتظام، دورات الفصول والأعياد والأيام. وتعب جارف من الوعي بهذا الضياع. ومن محاولات كسره، أو التعايش معه، أو حتى الانحناء لضروراته. ولكن، مهما فعلت لتفلْسِف تلك المحْنة، فلا بدّ لك أن تلاحظ مفارقةً هائلة، تطغى على جوانب أخرى من الوباء: كل هذا الوقت الممنوح لك لا يفعل غير إضاعة وقتك. أو بالأحرى وقتك الآخر، المطلوب.

صدمة كورونا ليست ككل الصدَمات: إنها زاحفة، ممتدّة، بطيئة، غير مرئية، خارجة داخلة

والوباء لا يساعدك على التعايش "المفيد" مع وقته. هو يذكّرك في كل ثنيةٍ من ثناياه أن الوقت صديقه، ملازمٌ لوجوده. صديقٌ للوقت، إذن عدوك. انظر إلى كميةٍ من الأسئلة التي يفرضها عليك. وكلها عن الوقت: أسئلة تتقلّب الإجابة عنها تبعاً لصعود الفيروس، أو تراجعه. من نوع: كم من الأيام سيدوم الإقفال التام؟ في أية ساعة يسمح للمواطنين بالخروج من منازلهم؟ في أية ساعةٍ تفتح المتاجر؟ الضرورية والكمالية؟ كم من الوقت تكون نتيجة فحص الوباء صالحة؟... إلخ. ثم فئة أخرى من الأسئلة، لا تتبدّل الإجابة عنها. من نوع: كم من الوقت سيدوم الوباء؟ متى تتخلص البشرية منه؟ متى يكون اللقاح ضد الوباء جاهزاً؟ اللقاح الحقيقي، أقصد، لا الإعلامي. ومتابعة للمفارقة أعلاه: من أن طغيان الوقت، هذا الحساب غير الموفّق للوقت، يضيّع الوقت، وأحياناً يزيله من كتاب الحياة.
ومهما كان عمركَ، خسارتك للوقت فادحة. لا تقُل إن الشباب هم أكبر الخاسرين وقتهم، فالجميع في مركب الوباء سواء. الجميع يضيع وقته. الكهول والشيوخ، المتقاعدون منهم والنشطون: ما تبقى لهم من الحياة صار عبئاً عليهم وعلى من حولهم. كُبُوش فداء لعجز الأنظمة الصحية عن التعامل الندّي مع الوباء. فيخافون أكثر، ويعزلون، ويوقفون ما تبقى لهم من حياة، وربما يتمنّون ميتةً سريعة، فالوقت المتبقي لهم من الحياة لا يستحق أن يُعاش، مع استكثار أيامهم المتبقية عليهم وعلى أنفسهم.

الوباء لا يساعدك على التعايش "المفيد" مع وقته. هو يذكّرك في كل ثنيةٍ من ثناياه أن الوقت صديقه، ملازمٌ لوجوده

يقابلهم في أدنى المراتب العمرية الأطفال الذين فقدوا التعليم والمتع والبيئة والاجتماعيات: أصحابهم، جيرانهم، هواياتهم، مدارسهم، أجدادهم، أبناء عمومتهم وخؤولتهم... أمهاتهم، آباءهم، المثقلين بأعباء صارت غالبيتها "منزلية"، ووجود الأطفال الدائم والمتوتر في الإطار "المنزلي" نفسه. والذين بدورهم يضيعون وقتهم بين تعب ونشاط جديد متصالحٍ مع الوباء، أو متحايل عليه. والشباب الذين توقفت آلة التشغيل عن تلقّفهم، أو آلة التسلية والنسيان لصعوباتهم، باستثناء ألعاب "البلاي ستايشن"، العازلة والمعزولة. وقد يهرمون وهم ينتظرون انفراجاً يوظف طاقاتهم المشلولة، أو يلهيهم عن مستقبلهم.
وجميعهم لا يحتاجون لغير الصبر. ولكنه صبر جديد، يختلف عن ذاك الذي يساعدك على تحمّل فظاظة ربّ العمل، أو الجيران، أو العائلة. صبر في ظل الوباء له نكهة خاصة. لكي يدوم، على المرء أن يخترع يومياً طرق "التكيّف" معه. ومع الوقت، سوف يلاحظ أن هذا التكيّف بالذات هو مجرّد إضاعة للوقت. مجرّد تمرير للوقت الضائع، فالتكيّف أصلاً يعني القدرة على التصرّف والعيش بطريقة مرْضية بعد تلقّي الصدَمات. ولكن صدمة كورونا ليست ككل الصدَمات: إنها زاحفة، ممتدّة، بطيئة، غير مرئية، خارجة داخلة. والمؤكد أنه، أي الوباء، سيكون علامة الوقت الذي فتك في أثنائه بالإنسانية. والعبارة الدارجة لن تكون مستهلكة هذه المرّة، إنه "قبل كورنا لن يكون مثل بعده".
الوقت موردٌ ثمين، ضاع إلى الأبد. فهو، حتى اللحظة، مميت، نهائي، لا رجعة فيه، غير قابل للطعن، أو الاستئناف (بلغة الحقوقيين). خسائره تطاول البشر قبل الحجر. أشرس من الحرب. لا يعوّض بأية ثروة، بأية طاقة، بأية مراكمة، أو مثابرة على أي شيء. والوعي بخطورة خسارته دفع مجموعة من العلماء ومراكز البحث في الدول الغنية الديمقراطية إلى تشكيل فريقٍ من مختلف الاختصاصات العلمية لإدارة مشروع بحثيٍّ عنوانه "أثر التباعد الاجتماعي على تصور الوقت". والمشروع تحقيق واسع مع مواطني هذه الدول وسؤالهم عن نظرتهم إلى الوقت الذي يمرّ، في أثناء مراحل الوباء المختلفة.

مهما كان عمركَ، خسارتك الوقت فادحة. لا تقُل إن الشباب هم أكبر الخاسرين وقتهم، فالجميع في مركب الوباء سواء

والحسْرة من أن بلادنا في غيبوبة عن فواجعها. ماضية في إضاعة وقت الوباء وتجاهله، فوق وقت آخر يسبقه. عرفت إضاعة الوقت قبل الوباء. وجاء هذا الأخير ليضاعف الخسارة بالوقت. في بلادنا، يضيع الوقت القديم في الحروب والفواجع والحرائق والانفجارات والمقْتلات على أنواعها. يضيع الوقت في تعطيل الدولة نفسها. في الجريمة والسرقة والفساد والاهتراء والتشبيح والفوضى العارمة المضبوطة. في الهجرة الجماعية والفردية، هرباً من خرابٍ عميم. في اليوميات التي تمضي ساعاتها على "التفاصيل" البائخة، غير الطنانة غير الرنانة، غير المقدّسة، التي لا تستحق لقب "القضية المصيرية"، مثل الماء والكهرباء والطعام والنفايات والسقف المثقوب والجدار المنهار .. وعندما نستفيق، سيكون بيننا وبين باقي الأمم سنوات ضوئية. هذا الاكتشاف الكئيب، هل يدفعنا إلى اختراع سُبل تقليص عدد هذه السنوات؟