كورونا .. الاقتصاد والأخلاق والقيم الحضارية

كورونا .. الاقتصاد والأخلاق والقيم الحضارية

12 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

يتوجب على أعضاء البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) الألماني باستمرار مواجهة قرارات صعبة من الناحية الأخلاقية، فمن يقدّم لهم المشورة؟ وهل يتمتعون بكامل الحرية في اتخاذ القرارات؟ تقول المادة 38 من القانون الأساسي (الدستور): النوّاب ممثلون عن الشعب، لا يخضعون لأية أوامر أو تعليمات، وإنما يخضعون فقط لضميرهم. وفي هذه العبارة إحالة صريحة إلى الأخلاق، "كحال برلماناتنا الأخلاقية". صحيحٌ أن الواقع يشير إلى أنه، في أحيان كثيرة، تمارس رئاسة الكتلة البرلمانية نوعًا من الضغط على أعضائها، لكن في وسع أي نائب أن يرفض التصويت على القرار من دون محاسبة أو ملاحقة.

الأخلاق منظومة قيمية تتشكل عبر التاريخ من خلال تجارب الشعوب، وتصبح أحد، وربما أهم، أركان الثقافة العامة الناظمة للحياة، لها سطوة كبيرة غير منظورة على سلوك الأفراد والجماعات، وهي حاملةٌ قيما إيجابية ونبيلة، وفق المفهوم الإنساني، باعتبارها شأنًا إنسانيًّا حصريًّا، من خير وجمال وكرامة ونبل وشهامة ومحبة وتسامح وغفران وتعاطف، إلى ما هنالك من قيم. لكن سطوتها، على الرغم من فاعليتها الفائقة لا تصل إلى درجة القانون، وإلّا ما احتاجت البشرية إلى قوانين. هي تفعل فعلها في الحياة الموازية للمجتمعات، وعند المساس بقيمها الجوهرية بشكل صارخ، فإن الشعوب تنهض للدفاع عنها، وربما تكون، في بعض اللحظات أو التمظهرات، نقطة سجالية، يختلف حولها المجتمع، خصوصًا في ما يتعلق بالقضايا الراهنة أو المستجدّة، فهذه تحتاج وقتا كافيا من أجل فهمها ومعرفة طريقة التعاطي معها. وهنا يأتي دور المشرّعين الذين تلقى عليهم المسؤولية العلمية والاجتماعية والتنظيمية والأخلاقية لإقرار الإجراءات التي تضبط السجال الدائر، بعد الاستئناس برأي أصحاب الاختصاص، وذلك بناء على علم الأخلاق، وبموجب ما يضمنه الدستور من مبادئ الحق والحرية والإرادة الشخصية والمساواة وغيرها.

لعبت أزمة كورونا دورًا مهما في الحياة السياسية الألمانية، وها هي تفرض معاييرها على الانتخابات المقبلة

هذا ما يحصل، ويجب أن يحصل، في المجتمعات الحيوية، وفي الدول المتطوّرة التي تضع نصب عينيها المواطنين غاية للتنمية والتطور. وهذا ما حصل ويحصل اليوم في بعض الدول، ومنها ألمانيا، بعد دخول العالم مجتمِعًا في أزمة كورونا. وهنا يأتي دور ما يُسمى مجلس الأخلاقيات الألماني، والذي يهتم بالموضوعات المركزية الحيوية التي تلامس الوجدان العام والمفهوم العام لدى الشعب، إذ يقدّم المشورة اللازمة لهذه القضايا، وهو مجلسٌ يعيّن رئيس البرلمان الاتحادي أعضاءه، ويضم اختصاصيين في مجالات متنوعة، منها القانون والطب والفلسفة والاجتماع وغيرها. وكان لهذا المجلس دور فعال ومهم في هذه الأزمة العالمية، بداية عندما دار السجال بشأن إلزامية التلقيح، إذ كان عليه البتّ بهذا الأمر، وقد عارض المجلس مبدأ الإلزام، ثم تحديد برنامج التلقيح من حيث الأولويات، انطلاقًا من حقّ تقرير المصير ومراعاة مبادئ العدالة والمساواة. وكان رفض الإلزام مبنيًّا على دراساتٍ علميةٍ أيضًا حينها، إذ يجب توفّر مزيد من المعلومات والمعارف حول ما إذا كان الملقّحون غير قابلين بالفعل لنقل العدوى إلى غيرهم. ويمكن فرض هذا الإلزام في سياقاتٍ خاصة، كأن لا تتوفر طريقة أخرى لحماية الأشخاص غير المحصّنين والأكثر عرضة للإصابة، كما صرّحت رئيسة مجلس الأخلاقيات الألماني، ألينا بيوكس.

لقد لعبت أزمة كورونا دورًا مهما في الحياة السياسية الألمانية، وها هي تفرض معاييرها على الانتخابات المقبلة، إذ بحسب استطلاعات الرأي فإن حزب المستشارة أنجيلا ميركل، الحزب الديمقراطي المسيحي، يتراجع، ويصعد حزب الخضر. وبموازاة ذلك، يدور نقاش ينظر إلى المستقبل، ويعود السجال حاميًا في الوقت الحالي، في ظل تنامي أصواتٍ تطالب بمنح امتيازاتٍ للملقّحين. ويخرج مجلس الأخلاقيات إلى الأضواء من جديد، وهو يعبّر عن مناهضته رفع القيود عن الأشخاص الذين تلقوا التلقيح، مثلما عارض منح الأولوية للرياضيين المشاركين في المنافسات الدولية. ويمكن التنبّؤ بنتيجة مستقبلية بأن التلقيح سيصبح إلزاميًا في المستقبل بطريقة التفافية، عندما تبدأ الفعاليات الاقتصادية تفرض شروطها ومن ضمنها بطاقة اللقاح.

الشعوب المنتهكة في حياتها وأرواحها وأوطانها خارج معادلة اللقاحات، وخارج معادلة التصنيف

السجال مستمر على مستوياتٍ متعدّدة، وفي غالبية البلدان الأوروبية، كذلك البلدان التي بدأت اقتصاداتها بالتهاوي، فشركة الطيران الأسترالية أعلنت أنها ستقبل، في بعض الرحلات، فقط الأشخاص الملقّحين. وبلدان أخرى تعتمد أسلوب تعاملٍ أقل تردّدًا، والحكومة البريطانية تفكّر في حلول فنية، ومنع رافضي التطعيم مثلا من دخول المطاعم. وفي الولايات المتحدة، تعمل بعض الشركات، مثل IBM على إصدار دفاتر تلقيح رقمية، وأعلنت روسيا أنها ستُدرج، ابتداء من يناير/ كانون الثاني المقبل، هذا النوع من الدفاتر. ورئيس بلدية موسكو عرض على الملقحين تسهيلاتٍ في الحياة اليومية، كما جاء في تحقيق نشر في موقع دوتشه فيليه. أمّا العلماء فشريحة كبيرة منهم يفضّلون عدم الخوض في سجالات من هذا القبيل، إذ ما زال الوباء في مرحلة الفوران، والفيروس يتحوّر في حربه مع البشر، ويحاول تقوية دفاعاته ووسائله الهجومية، والمؤسسات العلمية والبحثية ما زالت تجمع البيانات وتدرس، لكن الاقتصاد نفد صبره، والمال نهم وشره ومتطلّب كي ينمو ويتغوّل أكثر، لذلك نرى أن هذه الحكومات تعمل كخلية النحل، أو بدأب النمل من أجل التعامل مع الأزمة العالمية ونتائجها. وفي الوقت نفسه، من أجل ضمان استقرار دولها والحفاظ على حياة شعوبها وتأمين حقوقهم واحتياجاتهم، بمتابعة الواقع وما ينجم كل يوم من مستجدّات، ومتابعة الشارع وما يمور به من حراكات. وهناك مظاهرات عديدة بمطالب مختلفة لم تنقطع منذ الجائحة الأولى، ولم يعد الأمر يقتصر على التعامل مع كورونا والإجراءات المتّبعة لكبح جماحه، كالقيود المفروضة والإغلاق وحظر التجوال والسفر، بل تعدّت المطالب هذا المستوى، لتخرج مظاهراتٌ للأحزاب اليسارية، ومن يتلاقى معها، تطالب بحصر ملكية المؤسسات التعليمية والمشافي، وغيرها من المرافق العامة في الدولة، كذلك فرض ضرائب أكثر على الأغنياء، من أجل استمرار حياة الشعوب بالحد اللائق من الكرامة الإنسانية. وهذا طبيعي في ظل الاختناق الذي تعاني منه البشرية، بعدما فرض عليها النظام العالمي نمط حياةٍ على مقاسه.

ما زال الوباء في مرحلة الفوران، والفيروس يتحوّر في حربه مع البشر، ويحاول تقوية دفاعاته ووسائله الهجومية

لكن، وبالعودة إلى الأخلاق، أين هي أخلاقيات العالم المتقدّم من مشكلات الشعوب الفقيرة المهمّشة الرازحة تحت عبء مشكلاتها التنموية والحياتية والتعليمية والصحية، وزيادة منها ما تحرقها الحروب منذ سنوات، كحال منطقتنا العربية؟ العالم الضالع في مأساة هذه الشعوب يريدها شعوبًا مستهلكة فقط، مفتوحة لأسواقه، ابتداء من السلاح، وليس انتهاء بدقيق الخبز، بعد نهب ثرواتها وخيراتها ووضع يده على مواردها وبسط نفوذه وسيطرته؟ العالم الذي يتمسّك بالقيم الأخلاقية، ويحيل أمر اللقاحات، وطريقة التعامل مع من تلقوها ومع غيرهم، من منطلق مبادئ الخير والعدالة والمساواة والحقوق؟ أم للفرد قيمة إنسانية فقط، إذا كان من مواطنيها، بينما الشعوب الأخرى لا ترقى إلى هذا المستوى؟ البشرية برمتها خاضعةٌ للعالم القوي، يعيد تشكيل نفسه، وينهض من كل أزمةٍ تعترضه بأدوات سيطرة وامتلاك أقوى وأشد وأكثر بعدًا عن القيم والأخلاق في كل مرّة. وها هو اليوم اقتصاد كورونا يعيد تشكيل العالم وفق أجندته، ويتحكّم بالمصير مالكو الشركات المصنعة للقاح، وحيتان الشركات والمنصّات الرقمية في العالم، وليست المنظمات التي ابتدعها وأرسى قواعدها ومنحها مجالات عمل ومهام سوى أدوات تضليل بيده، يتحكّم بها كما يريد، من الجمعية العامة للأمم المتحدة وما ينبثق منها من منظمات دولية، ومجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان والصحة والتجارة والثقافة وغيرها، كلها مرتهنة في قراراتها إلى سياسات المجتمع الدولي والقوى التي تمثله، كلّها مفصّلة على مقاسه، ومقاس نزوعه نحو السيطرة والتملّك وإدارة الصراعات في العالم.

هذه الشعوب المنتهكة في حياتها وأرواحها وأوطانها خارج معادلة اللقاحات، وخارج معادلة التصنيف. هي مرصودةٌ للاستثمار والنهب فقط، وتمكين أنظمةٍ تديرها بفاشية لم يعهدها العالم الحديث، فاشيةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ودينيةٍ واقتصاديةٍ وثقافية، تبقي دولها فاشلة، وشعوبها مشلولة. لا يخجل هذا المجتمع الدولي عندما يحاضر بالقيم والأخلاق والحقوق والتضامن، هو يكيل بمكيالين إن لم يكن أكثر، ونحن ما زلنا في استنقاعنا المديد، وكورونا يختال في هوائنا، ويحصد ما يحصد بلا ضجيج، فموتنا لم يكن يعني المجتمع الدولي قبله ليهتم به اليوم، نحن نُقتل بطرقٍ لا تعدّ أمام أعينه، ولم يسعَ إلى منع الموت عنّا، لأنّنا جزء أساسي من لعبته الخبيثة، فهل الأخلاق ضامنة للحضارة الإنسانية؟