قيامة الانتفاضة الشاملة .. لا تعايش مع الاحتلال

قيامة الانتفاضة الشاملة .. لا تعايش مع الاحتلال

19 مايو 2021
الصورة

(مصطفى الحلاح)

+ الخط -

تعمل القيامة الجديدة للانتفاضة الفلسطينية الثالثة الشاملة، المرتكزة على فكرة قدس فلسطينية واحدة، وبتفعيل من مقاومة موحدة، عمادها الصواريخ الفاعلة والعمليات الكفاحية المدنية والمسلحة، نحو صعود الوعي بالهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة لكل فلسطينيي الوطن في الداخل وفي الشتات؛ هذه القيامة تفترض أنه لم يعد بالإمكان استمرار التعايش مع الاحتلال، على الرغم من مرور 73 عاما على نكبة التشريد وإعلان قيام الكيان الاحتلالي الغاصب، حتى لا تتكرّر عمليات التهجير والطرد من البيوت، كما كان سيحصل مع بعض سكان حي الشيخ جرّاح أخيرا، وفي مناطق أخرى من القدس والنقب ومدن وبلدات فلسطينية في الجليل والمثلث.

بذا، كانت المقاومة ويكون الرد الكفاحي الذي يشهد تحوّلات نوعية في الوعي الوطني الفلسطيني، ردّا على تلك الحرب الشاملة، والمعلنة من حكومة العدو الاحتلالي ضد القدس ومواطنيها الفلسطينيين، ومخطّطاتها الهادفة إلى جعل القدس يهودية بالكامل، وذلك في سياق التقدّم خطوة أخرى جديدة، تضاف إلى خطوات مواصلة نكبات الشعب الفلسطيني، لاستكمال اقتلاع وتشريد من تبقوا من أصحاب الأرض الفلسطينيين، وهذا يعني استحداث ما يتجاوز الاختلال إلى مزيد من "التفريغ الديموغرافي"، استجابة لمخطّطات الاحتلال القائمة على "تسمين الوجود اليهودي" الاحتلالي، وإغراق المدينة بمزيد من المستوطنات والمستوطنين، وزيادة تجمّعاتهم الطاردة لمواطني القدس الأصليين.

من أجل ذلك، يعمل كيان العدو الاحتلالي، حثيثا، على تحويل القدس مدينة يهودية، في وقت تغيب كل الشواهد التاريخية بالمطلق، عن كونها كانت يوما كذلك، ذلك ما يشهد له وعليه علماء آثار إسرائيليون، وغربيون من قبلهم؛ مشهود لهم بالكفاءة العلمية، حيث لم يُعثر على ما يُثبت يهودية المدينة أو يؤيدها في أي وقت، وهذا ما يدعمه غياب أية آثار أو لقى تاريخية؛ يمكنها إثبات أنها كانت يوما ما يهودية، على ما تزعم الخرافات والمرويات التاناخية والتلمودية والكهنوتية والتوراتية، كما أنها تشكل صفعة لمزاعم نتنياهو، أخيرا، بأن اليهود كانوا يبنون القدس منذ ثلاثة آلاف عام! وهذا غير صحيح ألبتة؛ فالوجود اليهودي في المدينة كان مؤقتا وعابرا دائما خلال تلك الفترة.

فلسطين، سواء سكنها اليهود فترات متصلة، أم متقطعة، وهم غرباء عنها، فقد غزوها بغرض الاستيلاء عليها والاستيطان فيها

منذ أعوام، وحكومات الائتلاف اليميني المتطرّف في كيان العدو تكثف من أعمالها الهادفة لتهويد القدس، ومحاولة تفريغها ديموغرافيا، وإقامة منشآت ذات صبغة يهودية، من قبيل إقامة ما يسمى "كنيس الخراب"، والاستهداف المتواصل للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ومحاولة الاستيلاء الكامل على البلدة القديمة، ضمن مساعي تنفيذ ما يسمى مخطط 2020 الذي هو مشروع يهدف، إلى جانب مخططات إقليمية أخرى، إلى إقامة القدس الكبرى، تكريسا لشعار "القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل"! وتهويد المدينة بكاملها من طريق ضم مستوطنات إلى مناطق نفوذها، وتقليل أعداد المواطنين الفلسطينيين فيها.

يؤكد كتاب محمود زناتي "تهويد القدس – محاولات التهويد والتصدي لها من واقع النصوص والوثائق والإحصاءات" (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010) عروبة القدس، استنادا إلى نصوص ومصادر يهودية وتوراتية، كما وعربية وإسلامية. وفي تعرّض الباحث لكلمة التاريخ وكلمة النصوص التوراتية، وكلمة الوثائق وأعمال التنقيب، قام بتحليل تلك النصوص وانعكاس ذلك بوضوح على كل خطوات الكيان الصهيوني، مؤكدا في دراسته أن الفلسطينيين المعاصرين هم أصحاب الحق، وأن الكنعانيين هم سكان فلسطين عبر التاريخ، وإسرائيل في الأصل مجرد قبيلة صغيرة، قامت بالغزو طمعا في أرض كنعان ذات الثقافة العالية، التي سمّيت بعد ذلك فلسطين.

يعمل كيان العدو، حثيثاً، على تحويل القدس مدينة يهودية، في وقت تغيب الشواهد التاريخية عن كونها كانت يوماً كذلك

وبالعودة إلى التاريخ، وفي خلفية عامة لشهادة ميلاد القدس وفلسطين عامة، هناك ما يؤكد أنها عربية الأصل نشأة وتكوينا، فاسم القدس علميا مأخوذ من لغة الكنعانيين العرب، وهو مركّب من كلمتين كنعانيتين: يوري ومعناها مدينة، وشليم وهو اسم إله كان الكنعانيون يعبدونه ومعناه السلام. ولهذا كانت أول إشارة إلى أقدم أسماء فلسطين "أرض كنعان"، وقد وُجدت في حفريات تل العمارنة التي يرجع عصرها إلى 15 قرنا قبل الميلاد، حتى التوراة تطلق الاسم ذاته على فلسطين، وتعترف بأن هذه البلاد ليست خاصة بهم، وأنهم أتوا إليها نتيجة الغزوة التي قام بها يوشع بن نون.

ولئن تبيّن بوضوح أن فلسطين، سواء سكنها اليهود فترات متصلة، أم متقطعة، وهم غرباء عنها، فقد غزوها بغرض الاستيلاء عليها والاستيطان فيها، ومثل كل القبائل التي عبرت أرض تلك البلاد، فإن القبائل اليهودية لم تكن شعبا موحدا على ما يزعم التوراتيون. وهنا يفيد الباحث بأن مقارنة الوضع التاريخي للعرب في فلسطين بالوضع التاريخي لليهود فيها تُظهر أن امتلاك العرب فلسطين قد بدأ قبل خمسة آلاف أو سبعة آلاف عام، ولم ينقطعوا عنها في أي يوم. إنه أقوى امتلاك راسخ في تربة هذه الأرض، في حين أن الممالك اليهودية الصغيرة قامت فترة محدودة، ثم تلاشت قرونا طويلة، ولم تظهر إلا أخيرا (عام 1948)، من خلال الاستعمار البريطاني والمساعدة الأوروبية الأميركية، ولا عبرة للوعد الإلهي الذي اختفى عدة قرون، من دون أن يعبأ به التاريخ. وقد تركزت الحفريات الأثرية، بشكل خاص، في مدينة القدس، بهدف التعرّف على تاريخها وآثارها، ففيها آثار عديدة تثبت عروبة المدينة، في مقدمتها أسوار القدس وأبوابها التي بُنيت في عهد اليبوسيين.

صوّبت معركة القدس واتساع رقعة الانتفاض على امتداد الجغرافيا الفلسطينية البوصلة نحو ضرورة إعادة بناء الحلم الفلسطيني الموحّد

من هنا، ما يجري اليوم على الأرض يحاول أن يُطابق أو يتطابق تماما مع ما أبلغه نتنياهو يومها لقادة المستوطنين، بل إن الكثافة والسرعة القصوى اللتين فاقتا كل الحدود توضّحان الأبعاد الخطيرة للمسألة، في وقت بات واضحا تقسيم العمل القائم بين الحكومة والبلدية وقطعان المستوطنين، في تنفيذ الخطط اللازمة لبناء مزيد من الوحدات السكنية وسط أحياء القدس العربية (الشرقية). ففي "رؤية" نتنياهو لدور قادة المستوطنين، تتحدّد مهمتهم بتجنيد "أموال يهودية" في العالم لشراء أراض وعقاراتٍ يمكنهم العيش فيها، وأينما أرادوا في شرقي القدس؛ في "الشيخ جرّاح" أو في حي سلوان أو في القدس القديمة أو في شعفاط ووادي الجوز وجبل أبو غنيم، حيث سيتم تفتيت هذه المناطق التي تكوّن منطقة شرقي القدس، وكان سيلحقها بطرد سكان حي الشيخ جرّاح، على أمل ألا يبقى شيء اسمه القدس الشرقية. ثم لم تجرِ الأمور على هوى نتنياهو وكيانه، وها هي القدس الشرقية، بصمودها ومقاومتها، تدفع كل الفلسطينيين إلى مسرح ميدان مفتوح، يستعمل فيه أصحاب الأرض، بجغرافيتها الكاملة، كل ما يمتلكون من إرادات التحدّي التي كبتت أعواما طويلة، وها هي تنفجر في ظل الاستخدام الأقصى الناجع لأسلحة المواجهة التي جرت مراكمتها من أجل اليوم الموعود، يوم تفجر الانتفاضة الشاملة ورؤيتها إلى قدس فلسطينية موحدة ولوطن فلسطيني موحد، يقاوم الغزاة المستوطنين، ويخرجهم من أرض فلسطين الموعودة بالتحرّر.

لقد صوّبت معركة القدس وقضية سكان حي الشيخ جرّاح، واتساع رقعة الانتفاض الشامل على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، البوصلة نحو ضرورة إعادة بناء الحلم الفلسطيني الموحّد، ما يتطلب إعادة صياغة الواقع الكفاحي برمته، في ضوء الانتفاض الشامل لشعب الوطن، وإعادة رسم استراتيجية كفاحية عامة، لا فصائلية، أو فئوية، تأخذ واقع الأرض وشعبها الموحد، المصمم اليوم للمضي في زلزلة كيان العدو، بعد 73 عاما من زلزلة النكبة. وهذا يتطلب، وبشكل ملح، إيصال الوضع الوطني الكفاحي إلى نقطة ابتكار قيادة وطنية موحدة، تلجم أي توجهاتٍ انقساميةٍ فئويةٍ أو سلطويةٍ تسلطية، تعاند بناء الاستراتيجية الوطنية الجامعة، الكفيلة بتحقيق أماني (وتطلعات) شعب الأرض في كل أماكن وجوده، وقد أثبتت هبّات الانتفاض الشامل هذه الأيام أن شعب فلسطين في الجليل والمثلث والنقب لا يقل كفاحية ووطنية عن باقي أبنائه في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وهم ينضوون تحت علم واحد، وشعار واحد، وبصوت واحد يردّدون اليوم "فلسطين تجمعنا إلى الأبد". أما المؤقتة فهي التي تسمّى "إسرائيل" الزائلة ولو بعد حين، حيث لا مستقبل لها في هذه البلاد التي تسمّى فلسطين، وستبقى تسمّى فلسطين.