في محن الإسلاميين المتكرّرة

في محن الإسلاميين المتكرّرة

20 أكتوبر 2023
+ الخط -

تختلف السياقات والجغرافيا وتجتمع المعطيات بشأن تعرض التيار الإسلامي الوسطي في عديد البلدان العربية، أو ما يطلق عليه الإسلام السياسي، أي الحركات السياسية المدنية التي تتخذ من الإسلام مرجعية حضارية شاملة لفعلها السياسي وتصوراتها للدولة والمجتمع، إلى حملات تشويه وضغط متواصلة، منها الإعلامي الرسمي وغير الرسمي والسياسي والأمني والقضائي، بما كرّس صورة غير واقعية عن هذه التنظيمات ومنتسبيها، ناهيك عن أفكارها، التي وإن تقتضي ضرورات التطوّر الفكرية والواقعية النظر في بعض نصوصها، وتعديل بعضها أونقدها كغيرها من المدارس الفكرية العربية الأخرى، إلا أن التحامل المكثف على هذه الحركات والأحزاب منذ نشأتها شكّل وعيا مزيفا بها، خصوصا لدى العموم.

لكل المدارس الفكرية العربية أخطاؤها وثغراتها، ولا سيما منها التي تفرّعت عنها تنظيمات سياسية وخضعت لبعض الإختبارات في السلطة أو المعارضة، كما تتشابه، إلى حد كبير، سياقات ظهورها وارتباط نشأتها بقضايا الاستقلال والبناء الوطني وسؤال النهضة العربية.

ورغم حداثة هذه الظاهرة، إلا أنها أثقلت على العقل والمشهد العربيين لسوء إدارة الحوار بين مكوّناتها، وغلبة الاستقطاب والتضاد على النقاش الحضاري المشترك والهادف، باستثناء محاولات محتشمة ومعزولة، مثل المؤتمر القومي الإسلامي في التسعينيات، خلافات حولتها إلى معاقل إيديولوجية تتمترس فيها كل جهة خلف مقولاتها، حفاظا على بقائها وتحصينا لكياناتها حسب ظنها، بعيدا كل البعد عن ديناميات الأفكار وتفاعلها الحيوي مع أسئلة العقل ورهانات الواقع الذي يضمن فعليا التطور والواقعية وحسن البقاء أمام تحدّيات وطنية كبرى.

وبفعل هذا الصراع، تحولت النظريات الفكرية إلى كلام مقدس، وأصبحت التنظيمات، بما هي مجرّد محامل وآليات إلى قلاع وسجون، والغلبة للأقوى بمنطق الدولة وليس للعقل بمفهوم الحجة أو المصلحة.

تحوّلت النظريات الفكرية إلى كلام مقدس، كما تحولت التنظيمات، بما هي مجرّد محامل وآليات، إلى قلاع وسجون

ومنذ نشوء هذه الحركات والأحزاب كانت السلطة وأدوات الدولة في المجمل من نصيب الليبراليين أو القوميين باختلافهم وأجزاء من اليسار، وكانت المعتقلات والمنافي من نصيب الإسلاميين، دون القفز عن بعض المحطات التي جمعت فيها المحن والمعتقلات تشكيلات سياسية مختلفة كما كانت لبعض الشخصيات أو الكيانات المتفرعة عن بعض المدارس "الحداثية" أدوار ومواقف نضالية في صفوف المعارضات العربية فسجلت اختلافاتها مع الرفاق ونضالاتها بحروف من ذهب، إلا أن الثابت الوحيد تواصل محن الإسلاميين إلى انطلاق موجات الربيع العربي، فلم يخلُ سجن عربي من سجين سياسي إسلامي عقودا.

لم تكن التنظيمات الإسلامية السياسية ملائكية طهرانية، ولا تدعي هي نفسها ذلك، وهو ما أخضعها دوما طوعا أو كرها إلى عمليات التحديث والمراجعات، كما برزت أسماء عديدة مختلفة من داخل هذا الحقل تميزت ببعدها النقدي وقراءاتها المختلفة لبعض المراجع التأسيسية والمواقف السياسية، إلى جانب حجم الاهتمام الدولي بهذه الحركات وتسليط الضوء على كل تفاصيلها وثناياها، ما فرض داخلها وحولها جدلا لا يتوقّف، لتتمخض عن ذلك تمظهرات وتعبيرات مختلفة للإسلاميين باختلاف أقطارهم وظروفهم ورهاناتهم، ولم يعد من السهل للعارفين إطلاق الجمع بينهم لتجاوز اختلافاتهم أحيانا المسائل الفرعية أو التفصيلية لتبلغ قضايا محورية ورئيسة في علاقة بمواضيع الدولة والديمقراطية وقضايا المجتمع والأفراد.

عادت أوطاننا جميعها إلى حظيرة الاستبداد والتسلط والحكم الفردي، واسترجعت الدول مخالبها في وجه مواطنيها العزّل

كما كانت لهذه الأحزاب أخطاؤها في أثناء تجاربها المختلفة كمّا وكيفا في الحكم، سواء في مصر أو المغرب أو تونس أو الجزائر أو موريتانيا بعيدا عن تجربة السودان السابقة في الزمن، والسابقة للتطورات المحدثة على الوعي السياسي الإسلامي، والمليئة بالتعقيدات منذ بداياتها بين الإخوة أنفسهم، ولكن مشاركة الإسلاميين في الحكم في أغلب هذه الدول العربية كانت حدثا عارضا بعد عقود من العزلة والتهميش والإقصاء والعلاقة المتوترة مع الحكام والدولة أحيانا، ولعل الربيع العربي كان لحظة مفصلية في تغير موازين القوة السياسية والاحتكام الجدي لصناديق الاقتراع الذي منح لهذه التنظيمات فرصة الحكم أو المشاركة فيه قبل الإطاحة لا دستوريا ولا ديمقراطيا بأهم هذه التجارب بين تونس ومصر.

يمكن ومن المهم تقييم تصدّر الإسلاميين المشهد ودخولهم معترك الدولة والسلطة والنظر في أدائهم وبرامجهم وتحالفاتهم وتفكيك خطابهم بين الماضي والحاضر، وفي ذلك أهمية بالغة لتقدم الدول وتطور الأحزاب والنخب السياسية، إلا أن ما حدث من انقلابات وتعسف في استعمال السلطة وإقصاء للإسلاميين، خصوصا في مصر وتونس، قطع الطريق أمام التقييم المدني والديمقراطي لهذه التجارب عبر المحطّات الانتخابية وفتح الباب أمام انتكاسة عربية جديدة وعودة إلى نقطة الصفر.

عادت أوطاننا جميعها إلى حظيرة الاستبداد والتسلط والحكم الفردي، واسترجعت الدول مخالبها في وجه مواطنيها العزّل، وغصّت السجون بالمعارضين والحقوقيين، وفي مقدمهم الإسلاميين، وهمشت الأحزاب والمنظمات، ترافق ذلك أزمات اقتصادية حادة وعجز مالي كبير ومديونية خارجية غير مسبوقة وسياسات خارجية مهتزة ومضطربة، فلا حريات باقية ولا نمو يتحقق ولا صوت فوق أصوات زعماء من ورق.

مشاركة الإسلاميين في الحكم في أغلب هذه الدول العربية كانت حدثاً عارضاً بعد عقود من العزلة والتهميش والإقصاء

مشاهد متشابهة عابرة للدول العربية، المزعج فيها أكثر من خطابات الشعبوية تلك التقييمات المليئة بالجحود والكراهية والمنكرة للحقائق الموضوعية التي تحاول القفز على عقود من السلطوية والقمع وتعطيل تقدم بنى الأفكار والدول لصالح فرد أو عائلة أو طائفة والتغافل عن العودة إليها من جديد والتوجه المستمر بسهام النقد والشتم للإسلاميين، محمّلين إياهم كل مصائبنا وإخفاقاتنا وهزائمنا من دون وجل أو حياء، كأن الرئيس محمد مرسي المغدور هو من حكم مصر عقودا وراشد الغنوشي المعقتل هو من حكم تونس منذ الاستقلال.

لمعارضة الإسلاميين خلال حكمهم أو مشاركتهم في السلطة مبرّراتها كسلوك مدني من مدخل الرقابة على الحكّام والسعي إلى تقويمهم رغم المغالاة والتطرّف الذي وصل بأصحابه إلى التشويه والتزييف والتلبيس على عموم الناس، وأخطرهم ممن كانوا يستعملون سلطتهم ونفوذهم الإعلامي والثقافي. ومن تضخيم توافه الأشياء، ونسج حكايات وخلفيات وهمية عنها باسم الوطنية إلى تتفيه عواظم الأمور والقضايا في ظل أسوأ من حكم هذه الدول وأدناهم دراية وكفاءة، حتى إذا استشكلت عليهم بعض الأمور واضطرّتهم لإبداء موقف منها استجمعوا ما بقي من شجاعتهم في القول، لربط كل الإخفاقات والأزمات بالإسلاميين مجدّدا.

للحركات الإسلامية إخفاقات عديدة، وثغرات في التصوّرات والسياسات، كشفت عن بعضها تجارب الحكم العابرة التي لم تخلُ بدورها من الهزّات والمطبات، ولهم أيضا ما يكفي من الظلم المسلط عليهم من الأجهزة القديمة الجديدة، وما يكفي من جور القضاة وعتمة السجون، لهم ما يكفي أجيالا من الوجع والخيبات، وما يكفي من الوقت للمراجعات ولأنصار الاستبداد ما يكفي أنظمتهم من الذلّ والهوان.