فيروس كورونا وفيصل مقداد

24 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم يكن ينقص السوريين إلا فيروس كورونا في بداية عام 2020 وأن يصبح فيصل المقداد وزيراً للخارجية في نهايته. في هجمته الأولى، وأقصد الفيروس، لم يكن قويّاً. وفي الثانية، في الأشهر الأخيرة، راح يفتك بالمدن، وليس من إحصائيات عن عددِ قتلاه. أمّا فيصل هذا فلا أحد يهتم بأمره، حيث كان سلفه، وليد المعلم، يسدُّ عليه، وعلى سواه، كرسي الخارجية. عدا أن "المعلم" أصبح تقريباً حبيس كرسيِّه سنواتٍ طويلة، فكيف بالمقداد. الأخير، وبعد أن وُزِّرَ، يُستدعى تارةً إلى إيران، وتارةً إلى روسيا، ويتلقى التعليمات، ويتم إفهامه، مراراً وتكراراً، بدقة المواقف التي عليه إطلاقها، ولكنه ليس كسلفه، البارد أكثر من صقيع سيبيريا، فهو يطلق كلاماً، يبدو عليه حماسيّاً، في بعض الأحيان، كأن يقول إن على القوات الأميركية أن تخرج من سورية، وإلّا فإننا لن نتمكن من إيقاف المقاومة الشعبية عن المباشرة في عملياتها، والتي ستفني الأميركان. وبخصوص الإيرانيين، ليس من وجودٍ لهم إلّا مستشارين عسكريين، وهو بذلك يكرّر أكاذيبٍ سابقة، لطالما قالها مُورِّثه المنصِب، وبالتالي المقداد "يتوزر" وهو يطلق الأكاذيب، وبحماسةٍ شديدة، تعزُّ على مضيفه الأخير، الوزير الروسي لافروف.

يتحدّث العالم عن لقاحاتٍ متعدّدة الجنسيات "روسية، أميركية، صينية، ألمانية،.."، والسوريون يتحدّثون عن ميتاتٍ تكثر في مدنهم المنكوبة، علماً أن الميتات ما زالت تغزو أرجاء المعمورة. القضية أن الهجمة الثانية من الفيروس تُرك لها العنان، وكأنَّ في الأمر قصداً معيناً، حيث حذّرت جهاتٌ رسميّة سورية، من خطأ افتتاح العام الدراسي، وأن سورية لا تمتلك بنيةً تحتية أو تعليمية لمنع تمدّد الفيروس من المدارس وإلى المدن وليس للعائلات فقط، ولكن ذلك ضُرِبَ بعرض الحائط، ليحصد المئات، وربما في القادمات أكثر، حيث لا إجراءات للسلامة يتم اعتمادها. أمّا اللقاح فقد لا يتعرف عليه السوريون قبل اجتثاث الفيروس من العالم.

صعود بارز، لزوجة الرئيس، وهناك أقطاب مالية جديدة، ظهرت. مقابل ذلك كله، ميزانية فارغة إلّا من هواءٍ ساكن

هذا العام، تكثفت فيه الأزمات؛ فهناك فقدانٌ للطاقة "غاز ومازوت وبنزين وسواه"، وهناك طوابير الخبز، وهناك كفّ يد أكبر شريك للنظام في نهب الاقتصاد، رامي مخلوف. وهناك صعود بارز، كما تقول التقارير، لزوجة الرئيس، وهناك أقطاب مالية جديدة، ظهرت. ولكن مقابل ذلك كله، هناك ميزانية فارغة إلّا من هواءٍ ساكن. أمّا أغلبية السوريين، فهم في أسوأ حالٍ منذ 2011. فلم تعد القضية قضية ثورة ونظام، وتدخلات خارجية أصبحت احتلالات دائمة، ولا يقتصر الأمر على الروس، الذين أخذوا أغلبية الاستثمارات الاقتصادية. الأسوأ من ذلك كله أن الفقر أصبح شديد الوطء، والخدمات تكاد تكون مُعلقة من الدولة. وهناك الكهرباء الشحيحة، وحتى الخبز، أوصى أحد قادة النظام بإنتاجه في المنازل! أي ليس من خبزٍ ستقدّمه الدولة في الأشهر المقبلة، ولنقل سيتقلص إنتاجه، بفعل عدم توفر الطحين، وزاد الطين بلّة أن أطناناً من القمح من موانئ الدولة، وهناك قانون قيصر. 

الحقيقة المرّة، أن كل ما ذكر أعلاه، هو بفعل استمرار النظام، والأنكى أنه ما زال يقود سورية وكأنّ لا شيء تغيّر في السنوات العشر! ويثابر حاثّاً عناصر جيشه على الاستمرار في القتال، وبدءاً من درعا وليس انتهاء بالبوكمال ومروراً بإدلب المحاصرة. ولسوء حظنا، أصبحت كل تلك المعارك إمّا لصالح الروس أو الإيرانيين، وربما كذلك لصالح كل من تركيا وإسرائيل وأميركا، أي ستستفيد من سياساته الأخيرات.

يجثم الفيروس على صدرنا، وسورية أنهكت حتى الثمالة، ومأساتها أتمّت العام العاشر، وكلفة أزماتها أعلى من أربعمائة مليار دولار، وكلفتها البشرية مئات الألوف من القتلى

يجثم الفيروس على صدرنا، وسورية أنهكت حتى الثمالة، ومأساتها أتمّت العام العاشر، وكلفة أزماتها أعلى من أربعمائة مليار دولار، وكلفتها البشرية مئات الألوف من القتلى. وهناك الجرح المفتوح، غياب أيّةِ آليّة للإفراج عن المعتقلين أو معرفة مصير المفقودين. عدا عن الاحتلالات المشار إليها، أو كنتائج لسياساتها، فإن سورية الآن مقسمة إلى ثلاث مناطق، هي بمثابة مراكز نفوذٍ لروسيا ولإيران ولتركيا وللأميركان. والأسوأ هناك بوادر جديدة عن مناطق إضافية، ككانتون حوران أيضاً! سورية التي كنّا نعرفها أصبحت كانتونات مناطقية وطائفية وعشائرية وقومية، والهوية السورية أُشبِعت تهشيماً، وهناك من يُشكك فيها بالأصل، وهناك من يؤكد أنها لم تبنَ من أصله، وإن مشاريع سورية السياسية زادتها تفكّكاً بين هوياتٍ قوميةٍ أو دينية أو عالمية، وبالتالي، سورية بحاجةٍ إلى بناء هويةٍ جديدة، على مدماك المواطنة، والأخيرة وحدها ما تُبنى عليها الأوطان، وفقاً للرأي الأخير..

حلّل بعضهم أن زيارة فيصل المقداد إيران أولاً تعبر عن تبعية أساسية للنظام لذلك البلد، وزيارته روسيا تعبر عن تبعيته بالدرجة الثانية للأخيرة. وبعض البيانات المرسلة عبر الصحافة تفيد بذلك، وتفيد بأن الروس قالوا للمقداد إن البلد الذي أنقذ نظامه هي روسيا، ولولاها لانهار النظام، وبالتالي عليكم الانتهاء مما تفعلون، فهلّا فهمتم؟

يتمدّد في سورية فيروس كورونا، والمقداد صار وزيراً متحمّساً للكذب، وأغلبية السوريين يلجون في فقرٍ شديدٍ

منطقتان تحاول روسيا، أخيرا، الامتداد إليهما، مدينة السويداء والبوكمال. وإذا كان الأمر ما زال متعذّراً في الأولى، ففي الثانية، أخلت لها إيران مناطق عسكرية، وهذا يُقرأ كرسائل للأميركان وللإسرائيليين، أن الروس جادّون في السيطرة على سورية، وعلى الدولتين التحرّك لتخفيف وجودهما في سورية. فات الروس، ولنقل يتجاهلون أن الدولتين تكرّران بضرورة إخراج إيران، وليس الحدّ من نفوذها. في كل الأحوال، إسرائيل وأميركا لا تقفان ضد الهيمنة الروسية على سورية، سيما أن الأخيرة أصبحت أرضاً يباباً، وقاعاً صفصفاً؛ أي أن روسيا تحتل سورية، وتسيطر إسرائيل على الجولان، وهذا لن يتغيّر في الراهن، وسلاح الأخيرة يقصف أية قاعدة عسكرية إيرانية فيها، وأميركا بدورها تسيطر على أغلبية مناطق الطاقة السورية والثروات الغذائية. 

كان على الروس ألّا يصرّحوا مع المقداد إنهم وسورية لن يكونا أول من يضع سلاحاً في الفضاء، وكأنّ لسورية دورا في ذلك. وكان على الروس أن يتوقفوا عن مهزلة اللجنة الدستورية، والثرثرة بأن لا علاقة لها بالانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن الأخيرة ستبدأ في سورية عهداً جديداً، وسيعترف العالم بالنظام، وتبدأ عملية الإعمار.

لا جديد في سورية إلّا ذلك التوزير،، وهذا لا فائدة منه تُرتجى، وهو تحصيل حاصل، وما زال الأفق مغلقاً، حيث لا تسوية تجمع الروس والأميركان، وهي المعوّل عليها، ومنذ 2011 لنهاية الوضع السوري! في هذا الوقت، يتمدّد فيروس كورونا، والمقداد صار وزيراً متحمّساً للكذب، وأغلبية السوريين يلجون في فقرٍ شديدٍ، وأحلامهم صارت كوابيس، فإن نَجوا من موتِ الفقر لن ينجوا من كورونا أو من النظام أو من أنظمة في الشمال والشرق، تحرسها تركيا وأميركا.

هذا هو عام 2020، فهل يتغير الأمر في 2021؟ لست متفائلاً.