عويس الراوي مقاوماً الخوف في مصر

08 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لا تستخدم بنى السلطة في مصر العنف بشكل مجاني، وهو لم يكن، في أي يوم، مجّانيا، ذلك أنه، في النهاية، يهدف إلى الضبط والإذعان، ولذلك يكون منظّما، وإن اتخذ أحيانا شكلاً عشوائيا، أو خرج عن سياقاته القانونية الحاكمة له، كالذي ترتكبه الطبقات الحاكمة لبسط هيمنتها. وفضلا عن التشريعات التي تقنن استخدام العنف، فإن القمع الموجّه إلى طبقاتٍ شعبيةٍ مفقرة في مصر محكوم بمنظور طبقي واجتماعي، ويعكس كثافة استخدامه العنف اختلال موازين القوى وغالبا ما يستخدم التصنيف الإجتماعي والثقافي أداة لتبرير العنف، ومنه العنف الموجه ضد سكان مناطق فقيرة ومهمّشة، سواء في الريف أو أطراف المدن، غير أن التصنيفات بغرض الإقصاء وتبرير العنف يمكن استخدامها ضد أقلياتٍ ثقافيةٍ وعرقية، يتم وصف الضحايا وتصويرهم جناةً ومخرّبين، مثال على ذلك ما جرت العادة فى وصف المناطق العشوائية وسكّانها بأنها قنابل موقوتة، حتى بين نخب وكتّاب، ولغة غالبة على الصحافة المكتوبة. وغالبا يتم تصويرهم إذا احتجّوا على مظالم بأنهم مجموعة من الخارجين على القانون، معادون لسلطة الدولة، ويواجهونها. ويتم تصنيفهم، إن لم يخضعوا، بأنهم يهدّدون مصالح المجتمع. وتتم صياغة هذه الصورة النمطية ضد المحتجّين في مناطق ريفية وعشوائية، أو تجعلهم أداة في أياد خارجية متآمرة. وغالبا ما تُستغلّ حالة غياب الحقائق، والتعتيم الإعلامي، للتلاعب بالرأي العام الذي يكون محلّ صراعٍ بين متابعة جماعاتٍ محتجّةٍ وسلطةٍ تنفي المحتجّين فى بداية المشهد، ثم تعلن عن أعداد المقبوض عليهم رهن التحقيق بتهمة التظاهر.

ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم حالة الغضب في مصر، والتي تزامنت مع سقوط ثاني شهيد خلال مواجهات الأجهزة الأمنية مع المحتجّين ضد قانون التصالح. حسب شهود عيان، قتل عويس الراوي، حين رد إهانة ضابط شرطة لوالده، في أثناء اقتحام منزلهم للقبض على شقيقه الذي كان مطلوبا للتحقيق معه بتهمة التظاهر. قاوم عويس الخوف، وثار لكرامة الأب، فكان مصيره القتل. وقد شكّل الحادث المؤسف مشهدا من التعاطف، وزاد الغضب بين أهالي القتيل في قرية العوامية في محافظة الأقصر، كما أنه إعادة إنتاج حالاتٍ سابقةٍ من القمع، ويذكّر بعنفٍ مورس ضد مواطنين من أهالي الاطراف والريف وسكانهما، منها ما كان يأخذ شكل حملات أمنية، غير قانون الطوارئ الذي يوسع سلطة أجهزة الأمن في التوقيف والاستجواب. وقد شهدت مصر حالات تعذيبٍ شكل حالة من الغضب، تجاه ممارسات التعذيب الذي كان أحد أسباب ثورة يناير في العام 2011.

شعر كثيرون من مؤيدي النظام، في حادثة مقتل عويس الراوي بثقل الجُرم، وبشاعة الحادثة

وقد شعر كثيرون من مؤيدي النظام، في حادثة مقتل عويس الراوي بثقل الجُرم، وبشاعة الحادثة. ولم يستطيعوا تبرير القتل خارج القانون أو الثناء عليه، غير أنه لا إمكانية لإدراج الجريمة في سياقات مكافحة قوات نظامية عناصر إرهابية، كما أنها تفتقد أي سندٍ أخلاقي أو دافع وطني يمكن الارتكاز عليه لتبرير العنف، وإمكانية تشويه المحتجين أو القتيل محدودة، فدرامية المشهد وتماسّه مع الشعور بكرامة مفتقدة يدافع عنها ابن بار احتراما لوالده مسّت مشاعر المصريين.

شُبّه عويس الراوي شهيد الأقصر بشهيد الإسكندرية خالد سعيد الذي عذب حتى الموت في يناير 2011. ومن المصريين من رآه شبيها بجورج فلويد، ضحية عنف العنصرية في الولايات المتحدة. ولم يمنع التعتيم الإعلامي تصاعد حالة التعاطف مع عويس، والتى شكلت ضغطا على السلطة، بجانب المظاهرات الغاضبة التي خرجت لتشيع جنازة الضحية. وكان ذلك كله دافعا إلى احتواء الأزمة، وسرعة مثول الضابط المتهم للتحقيق، حسب روايات حقوقيين مقرّبين للنظام. كما سعت دوائر رسمية وشعبية إلى التهدئة، عبر تقديم وعود لأهالي الضحية بمحاسبة الجاني، ومحاكمته بشكل عادل. وفي المقابل، لم يظهر أي إعلان رسمي بشأن الحادثة، كما استمر تجاهل وسائل الإعلام القضية يومين، ولم تجرؤ صحيفة مصرية واحدة على نشر خبر واحد يخصّ الأحداث التى شهدتها الأقصر، بينما كانت صور الضحية متداولة على وسائل الإتصال الإجتماعي.

عنف السلطة أكبر فى مواجهة احتجاجات الفقراء، وحالات التعذيب والعنف تحمل أيضا وجها طبقيا، وضحاياه أكثر من الطبقات الشعبية والمفقرين

جاءت وقائع قتل عويس الراوي لتؤكّد حقيقة أن العنف في مصر يمارس على الفقراء بشكل أوسع، وأنه يمارس على أسس طبقية. قتل الشاب في سياق حراك الريف أخيرا، والذي على الرغم من محدوديته يمثل إزعاجا، بوصف أن السلطة تضع فى الإعتبار وتتصوّر أن الفقراء، خصوصا من سكان الريف والأطراف، لا بد أن يكونوا أكثر طواعية، ومحكومين بأطر متنوعة من الضبط، ولكن هذه الفئات الشعبية تفاجئ السلطة بأنها تحتج ضدها. وبالإضافة إلى أن عنف السلطة أكبر فى مواجهة احتجاجات الفقراء، فإن حالات التعذيب والعنف تحمل أيضا وجها طبقيا، وضحاياه أكثر من الطبقات الشعبية والمفقرين. لم يمر شهر على مقتل الشاب إسلام الأسترالي، والذي أثار موته غضب أهالي المنيب (محافظة الجيزة)، فتجمهروا أمام القسم بعد وفاته، مطالبين بمحاسبة الجناة. وبالفعل، كشفت تحقيقات النيابة العامة أن الضحية دخل قسم الشرطة حيا، وتوفي داخل قسم شرطة المنيب، ولم يقتل في مشاجرة، حسب رواياتٍ سعت إلى تبرئة قاتليه وخداع الرأي العام.يشكل مقتل عويس الراوي مشهدا من ممارسات العنف ضد فقراء في ريف مصر ، بما يعكس خوف الطبقة الحاكمة.

يشكل مقتل عويس الراوى مشهدا من ممارسات العنف ضد فقراء في ريف مصر تحمل طابعا طبقيا

في سياق محلي، شهدت الأقصر حوادث تعذيب وقتل مشابهة، منها موت المواطن طلعت شبيب عام 2015، وخرجت على إثر ذلك تظاهرات واسعة للمطالبة بمعاقبة الجناة. وبعد ثلاث سنوات من تداول القضية في المحاكم، صدرت أحكام على الجناة بالسجن فترات تتراوح بين ثلاث سنوات وسبع، غير ما شهدته من حراكٍ متنوع، كمظاهرات أهالي مناطق الكرنك والقرنة وتجمهرهم رفضا لنقص الخدمات، أو احتجاجا على عمليات هدم وإزالة لمنازل وتهجير قسري تزامنت معها أعمال عنف. وهذه الأسباب التي تخص الأقصر (وتتشابه معها مناطق أخرى) تجعل المحافظة ذات قابلية للاحتجاج، خصوصا لو أضفنا سمات اقتصادية واجتماعية تشكل معاناة حقيقية تفاقمت أخيرا مع زيادات الأسعار وتراجع فرص العمل في السياحة مع أزمة كورونا.

إجمالا، يشكل مقتل عويس الراوى مشهدا من ممارسات العنف ضد فقراء في ريف مصر تحمل طابعا طبقيا. وتجسّد معالجة الأزمة، عبر استخدام ذوي المراكز الاجتماعية أداة للضغط على أهالي الضحية، تجاوزا للقانون، ما يوضح أن الضبط الاجتماعي مكمل للضغوط الأمنية، وجزء من الضبط السياسي. وتكشف الواقعة عن ذهنية قديمة في إدارة المشهد الإعلامي. وكان منع خبر المظاهرات أو سقوط أحد المواطنين ضحية للعنف سيمنع الجمهور من معرفة وقائع ما جرى، بينما الحقيقة أن أغلب المصريين يستطيعون، فى دقيقة، معرفة الأخبار من مصادر متنوعة، ليس منها الإعلام المصري. وأخيرا، توضح الحادثة أن غضب المصريين، سواء أهالي الأقصر الذين تظاهروا أو المصريون الذين أظهروا تعاطفهم، مثل ضغطا مهما، وقلّص فرص المناورة حول الجريمة أو محاولة تشويه الضحية.