عودة إبراهيم عبد المجيد

عودة إبراهيم عبد المجيد

03 يناير 2022
+ الخط -

قرأت، الأسبوع الماضي، كما كثيرون من محبّي الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد وأصدقائه، الذين ينتظرون عودته من العلاج في سويسرا، مقالته في صحيفة القدس العربي، وعنوانها "ماذا يمكن أن تكتب الآن يا إبراهيم؟". وقد بدا فيها أنه استعاد روحه التي عُرف بها، المرحة والقوية، والتي تتسلل إلى مجمل كتاباته الروائية والقصصية، بل حتى إلى مقالاته الأسبوعية.
وعلى الرغم مما تعكسه كلماتها من ألم جسدي واضح، نتيجة العمليات الجراحية المعقدة التي أجريت على عظامه وظهره، إلا أن روح صاحبها المعهودة ومقاومته خذلان الجسد هو ما ميز هذه المقالة التي كانت منتظرة بعد رحلة العلاج الشاقّة، وقد أورد فيها فقرات تدلّ على عزيمته في خوض الحياة بمزيد من التواصل، من دون أن يتخلّى عن طبعه الإبداعي في استثمار كل حدث حي لكتابة رواية مقبلة.
يحلم إبراهيم عبد المجيد، هذه المرّة، بنص أدبي عن جزيرة المكسورين، يتحدّى به أوجاعه، بعدما تحدّى حتى المرض، حين كان يطلب من مرافقيه أن يذهبوا به إلى غرفة التدخين في المستشفى السويسري في زيوريخ، وهناك كان يلتقي بأشتات المرضى الأوروبيين والعرب الذين قدموا للعلاج في المستشفى نفسه، وكانوا يختلفون إلى غرفة التدخين، حيث يتبادلون الأحاديث وكأنهم أصدقاء يلتقون في مقهى. نتذكّر هنا رواية نجيب محفوظ "زقاق المدق"، وتحديداً زيطه صانع العاهات الذي بنى له يوسف الشاروني في إحدى قصصه تمثالاً في نهاية الزقاق، وذلك تكريماً له، من باب السخرية الأدبية، لأنه وفّر العمل لعاطلين عديدين. سيكتب كذلك كاتبنا الكبير إبراهيم عبد المجيد روايته المقبلة انطلاقاً من سويسرا عن المستشفى؛ الجزيرة المعزولون سكانها عن أيّ تواصل مع العالم، وهو ما تلخّصه عبارته البليغة في المقالة "بعد ستين يوماً في غرفةٍ لا تغادر جدرانها إلّا إلى معامل التحاليل أو معامل الأشعة، يراودك سؤال كيف تكون في زيوريخ لأول مرة ولا تراها".
كان لقائي الأول بصاحب رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" في معرض القاهرة للكتاب في منتصف التسعينيات، حين صدر لي أول كتاب، وهو المجموعة القصصية "اللون البني" عن دار المدى في دمشق. وحين استلمت من الناشر أول نسخ هذه المجموعة، وجدت إبراهيم عبد المجيد قبالتي مصادفةً، وكان برفقتي الصديق يحيى سلام المنذري، الذي لم أسلّمه نسخته بعد، واقتربنا للسلام عليه، وكنت قد قرأت روايته الممتعة "البلدة الأخرى" التي صدرت في تلك الفترة تقريباً، وهي عن مدرّس يعيش في تبوك في السعودية يدخل في علاقةٍ عاطفيةٍ مع طالبة تحت ذريعة "الدروس الخصوصية المنزلية". ومُنعت الرواية في ذلك الوقت قبل أن يُسمح لها بالتداول. أعطيته النسخة الأولى من "اللون البني" في أثناء ذلك التعارف الأول في القاهرة، والذي استمر وتجدّد مراراً. وقد زار عبد المجيد مسقط أكثر من مرة، وكنت في كلّ زيارة ألتقيه. وذات ليل، زرنا مسرح حصن الفليج على مشارف مسقط، وكان فيه حفل فني، فانبهر صاحبنا وضيفنا من المشهد الآسر، إذ ينبثق ذلك المسرح الأثري في قلب الظلام ويضيئه بنور باهر. فنتجت عن تلك الزيارة رواية "شهد القلعة" التي كان فضاؤها وخلفيتها مسقط، وقد استفاد فيها الكاتب من التقنية البوليسية، ولا بد طبعاً أن يكون هناك العشق الذي وسم معظم رواياته.
كنتُ ما إن أحلّ بالقاهرة حتى أحرص على التواصل مع الأستاذ إبراهيم، وكان بحكم دماثته الكبيرة ولطفه يستجيب لهذه اللقاءات من دون تردّد. وفي زيارته مسقط قبيل جائحة كورونا، التقيته في أحد مقاهي مشروع الموج، وكان برفقته الصديق الخطاب المزروعي. لم يتعرّف عليّ بسهولة، وحين عرّفته بنفسي ضحك، وأطلق واحدة من قفشاته: "إنتو العُمانيين تتشابهوا حين ترتدون الدشداشة". وقد أحضر معه مجموعة من الكتب، ظفرت منها بآخر رواياته "السايكلوب"، إلى جانب كتابه الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب "ما وراء الكتابة"، وهو يمكن إدراجه في ما يسمّى السيرة الإبداعية، إذ يذكر أسباب كلّ عمل من أعماله الروائية ودوافع كتابته، فيكون القارئ أمام خلفية حياتية لكلّ رواية، وكأنّ كلّ واحدةٍ، وهي تسرد متخيلها، مرفودة بسيرة خفية وتفاصيل، صلبها مصادفات الكاتب ومكابداته وانعطافات حياته.