عن دول سلطات الاستزعام والاستزلام

عن دول سلطات الاستزعام والاستزلام

11 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

مضى عهد الانقلابات العسكرية والسياسية والحزبية الفئوية في بلادنا، ومعها اختفت كاريزمات سلطوية عديدة؛ سياسية وعسكرية واقتصادية، بعد أن انكشفت وعود الانقلابيين، واكتشف الناس زيفها، فلا هم حرّروا أي جزء من فلسطين، ولا حققوا وعود الحرية والعدالة والمساواة، ولا أيا من الشعارات التي حملتها بياناتهم. وها هم اليوم ينقلبون على كل ما نادوا به من شعاراتٍ ومبادئ مزعومة، وحتى على أيديولوجياتهم، وعلى جمهورياتهم التي حوّلوها مزارع ملكية خاصة بهم، وبأسرهم ومن لفّ لفهم من أقارب وأجهزة، حتى بات التسلط والاستبداد سيد المرحلة، وصار المتزّعمون والمستزلمون حولهم أسياد السلطة، إلى درجةٍ تحولت فيها قضية الشعب والحقوق الفلسطينية وقضايا وحقوق شعوبنا العربية عبئا ثقيلا، أزاحوه عن كواهلهم، إلى حد انحيازهم للعدو الاستيطاني المغتصب لفلسطين وأراض عربية أخرى، ليقيموا مع هذا العدو سلسلة طويلة من التحالفات السرية. وأخيرا توسيع دوائر التطبيع السياسي والاقتصادي والسياحي والاستثماري، والانفتاح عليه، إلى حدّ تبنّي أطروحاته ونظرياته وتطبيقاته العملانية عن كون فلسطين أرض ميعاد ليهود العالم، وحتى بناء كنس ليتعبد فيها سياح لا يحتاجون للعبادة أصلا، بقدر ما أثبتوا أنهم، وكما كانوا سرّاقا للأرض، لن يتورّعوا عن أن يكونوا سرّاق كل شيء تطاوله أياديهم، وذلك بحجة السياحة والترفيه واستغلال "زياراتهم" بعض أقطار بلادنا العربية، لتحقيق مآرب دنيئة تكتيكية واستراتيجية، تعود بالنفع على كيانهم الاستيطاني.

انكشفت وعود الانقلابيين، واكتشف الناس زيفها، فلا هم حرّروا أي جزء من فلسطين، ولا حققوا وعود الحرية والعدالة والمساواة

في هذه الأجواء المسمومة التي دخلت حقولها وميادينها سلطات استبداد عديد من أقطارنا العربية، بدأت تتظهّر"الدولة" عندنا مرتعا لتعاونٍ وثيق بين رؤوس الاستزعام السلطوية على اختلافها، وبين الفئات الرثّة من المستزلمين، في تقاسمٍ مفضوح للسلطة المحروسة بقوى أمنية لا تختلف، في طبائعها وبنياتها الفوقية والتحتية، عن طبائع (وبنيات) الاستزلام السائدة لصالح تحالف منظومة الفساد والإفساد والاستبداد الحاكمة، حتى صارت الدولة تفتقد كل هيبة، والسلطة كل احترام.

يروم الاستزعام فرض ذاته ومصالحه الشخصية بقوة، قوة ما يحيط بالمستزعم السلطوي من ظروف ومعطيات بيئية وحياتية ومجتمعية، هي أقرب إلى الاعتراف بزعامة طائفية له أو سياسية، لا لكونه يمتلك كاريزما معينة تؤهله التزّعم، بقدر ما تجري تهيئة ظرف ما، وتطويعه لنقل الشخص من حالةٍ إلى حالة أخرى، تضعه في مواجهة مهامّ مستجدّة، لم يعتد عليها من قبل، وذلك في غياب الدولة والمؤسسات، حيث أمكن إنتاج شخصيات المستزعمين غير القادرين على إدارة شؤونهم، ورسم سياساتهم بعيدا عن جهود المستشارين المستزلمين، وعادة ما يكونون ذوي غاياتٍ خاصة، يؤكدون من خلالها كاريزما الاستزلام على حساب كاريزما القيادة والسلطة.

عادة ما يؤكد المستزعمون خطل دفعهم إلى الواجهة وخطأه وخطره، واجهة القيادة دونما خبرة أو دراية أو أحقية وضعهم لإشغال مناصب قيادية، خصوصا ما يتعلق منها بالشأن العام، حيث تتطلب المناصب القيادية في الدولة خبرة ودراية ومراسا سياسيا وثقافيا ليس بسيطا. والمستزعمون الطوائفيون وأصحاب الرساميل المليونية والمليارية خلو من هذا كله، حيث العوامل الوراثية العائلية والسياسية السلطوية تعد من أسوأ ممارسات الاستبداد، ومن أحطّ المسلكيات التي لا تقيم أي وزن أو اعتبار لمؤسسات الدولة، ولا للرأي العام أو للإنسان بشكل عام.

بدأت تتظهّر"الدولة" عندنا مرتعا لتعاونٍ وثيق بين رؤوس الاستزعام السلطوية على اختلافها، وبين الفئات الرثّة من المستزلمين، في تقاسمٍ مفضوح للسلطة المحروسة بقوى أمنية

في المقابل، يؤكد المستزلمون، عبر انقيادهم الأعمى وتزلفهم الزعيم، وقيامهم بما يُطلب منهم، وربما ما لا يُطلب منهم، انحطاط ورثاثة القطيع من المناصرين واستتباعهم، وانقيادهم الأعمى خلف غرائز السلطة الأبوية الممهورة بتواقيع المستبدّين، ممن هيمنوا على الدولة ومؤسساتها بقوة استزلامهم هم لطوائفهم، واستزلام المحيطين بهم من قوى طوائفية متمذهبة، وقوى أمنية تخرج عن طوع الدولة، لتكون طوع بنان مشغليهم من المستزعمين، ومن يحيطون بهم من مستزلمين، لنكون هنا في ما يشبه سلطة موازية في دولةٍ لا وجود لها بمعنى ما.

لقد نهب الاستزعام الدولة طوال عقود الاستبداد الطويلة، كما عاث الاستزلام بكل القوانين تحت حماية (وحراسة) منطق "المزارع" الاستزعامية التي تقاسم أصحابها الدولة والسلطة، حين سيطروا عليهما بالكامل، واستبعدوا كل من لا يمتّ إلى مللهم وطوائفهم وعصاباتهم ومافياتهم، مطمئنين إلى غياب وجود معارضاتٍ وقوى شعبية وأحزاب منظمة وقوية، حيث جرى تطويع معظم هذه العناصر، وتجفيف منابعها في حياة سياسية يعمّها الجدب والجفاء والخواء. ما حوّل الدولة إلى دولة فاشلة، والسلطة إلى سلطة هي مركز الداء والبيئة الفضلى لتحطيم بنية الدولة، ونشر فيروسات الفساد والإفساد ونهب الموازنات، وتقديم مشاريع وهمية تقبض موازناتها من دون أن يجري تنفيذها، ومن دون وجود حسيبٍ أو رقيب، فجميع أهل السلطة مصابٌ بجذام كورونا نهب المال العام، والجميع في البؤرة ذاتها سواء؛ وقد نخرت فيروسات الفساد كل أنحاء أجسادهم، بعد أن نخروا، هم ذواتهم مع شركائهم الزبائنيين والمستزلمين، جسد الدولة.

ستبقى موضوعة الاستزعام والاستزلام والاستتباع والتتبيع عناوين بارزة لموضوعة حضور الدولة أو غيابها

لا يجري ذلك كله بعيدا عن أنظار الخارج الإقليمي أو الدولي، بل تحت أنظاره وإشرافه ورعايته وإسناده وتشجيعه، نظرا إلى ارتباط المصالح الخاصة والشخصية للمستزعمين وتداخلها بذاك الخارج، دولا ومؤسسات وواجهات إعلامية ومالية وسياسية وتجارية وعلاقات زبائنية، تشتدّ أواصرها كلما كانت الحاجة ماسّة لإحداث تحوّلات أو تغييرات منفعية الطابع لهذا الطرف أو ذاك. وقد نشأت وتنشأ موضوعة الاستتباع، ويجري الحرص عليها من طرفين أو أكثر، نتاجا لتطلّب المصالح، تكتيكية أو استراتيجية، لمثل هذه العلاقات والأواصر الرثة والمنحطّة، المعادية للتشريعات والمواثيق الدولية، ولحقوق الإنسان والجماعات والمجتمعات والدول بالمعنى القانوني للدولة، لا بمعنى الأمر الواقع ومعطيات العلاقات الدولية غير السوية، بين دول المراكز ودول الأطراف التابعة والمهمشة.

لهذا، وفي غياب العلاقات السوية بين الدول في ما بينها، وبين بيئات هذه الدول ومجتمعاتها، ستبقى موضوعة الاستزعام والاستزلام والاستتباع والتتبيع عناوين بارزة لموضوعة حضور الدولة أو غيابها، وشاهدة حية على الحضور الطاغي للسلطة، وهي تسيّد مستزعمين أنصاف آلهة، وتختار عبيدا مستزلمين لهم، ليتسيّد الطرفان قيادة الرأي العام في بلدانهم الفاقدة حضور الدولة ومؤسساتها، إما بقوة ودعم خارج إقليمي أو دولي، كما بدعم قطعان طوائفية متمذهبة، لا تشتغل على مصالحها بقدر ما تعمل على خدمة روحٍ غرائزيةٍ مدمرة. وفي الحالين الخاسر الوحيد هي شعوبنا ومجتمعاتنا، بعد أن خسرنا دولنا وكل أسباب تطوّرنا وإمكانات تقدّمنا، بفعل تخلف قيادات الاستزعام واستبدادها، وانحطاط رموز الاستزلام، ورثاثة "لا أدريين" كثر في صفوف رأي عام مغيّب عن قضاياه المصيرية والوجودية.