عن القمة التركية الأفريقية الثالثة

عن القمة التركية الأفريقية الثالثة

22 ديسمبر 2021

الصورة التذكارية للقمة التركية الأفريقية الثالثة في اسطنبول (18/12/2021/الأناضول)

+ الخط -

اختتمت أعمال القمة التركية الأفريقية الثالثة في إسطنبول السبت الماضي، لتكون إحدى أهم روافع تمدّد تركيا في القارّة السمراء واستراتيجياته، وهو اهتمام تركي دُشن عام 1998 تجاه القارّة، وازداد مع بداية حكم حزب العدالة والتنمية عام 2002 في تركيا، تحت استراتيجية شدّ الحزام نحو أفريقيا، والتغلغل في مجالاتها المتنوّعة السياسية والاقتصادية والأمنية، إدراكاً منها لأهمية إيجاد أسواق أفريقية تستهلك منتجاتها المتنوعة، على غرار الصين التي تغرق القارّة بالغثّ والسمين. لكن هذه القمة حظيت بمشاركة 16 رئيس دولة أفريقية، و102 وزير أفريقي، بينهم 26 وزيراً للخارجية، وهو ما قد يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التأثير التركي في القارّة التي لا تزال تئن من جراحات الماضي، وتواجه موجات القحط والجفاف في شرقيها ومخاوف من تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في قلبها، وتداعيات المتحور أوميكرون في جنوبها، وهو ما قد يُنهك اقتصادات الدول الأفريقية التي تعتمد مداخيلها على حركة التنقلات والسياحة والتبادل التجاري العابر بين القارّات والمحيطات.

وقد افتتح الرئيس التركي القمة الأفريقية الجمعة الماضي، مبدياً اهتماماً بالغاً بالقارّة ليس فقط على مستوى تركيا، بل لمنح أفريقيا صوتاً دائماً في مجلس الأمن الدولي، لبناء تحالفاتٍ قويةٍ بين تركيا والدول الأفريقية في المحافل الدولية أيضاً، عبر تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري التركي مع القارّة الأفريقية 25.3 مليار دولار عام 2020، وهو الأعلى منذ 16 عاماً، وتريد تركيا مضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 50 مليار دولار من خلال مضاعفة جهود التعاون التركي الأفريقي في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، على الرغم من التحدّيات الأمنية والسياسية التي تزداد كالفطر في مناطق الحضور التركي، خصوصاً الصومال وإثيوبيا وليبيا.

النفوذ التركي في أفريقيا يواجه تحدّيات كثيرة، وفي خضمها التحدّيات الأمنية وتزايد المنافسين واللاعبين الكبار في القارّة

وفيما يبدو أمراً طبيعياً، فإن استراتيجية تركيا الاقتصادية لتسويق منتجاتها المختلفة ترافقها سياسة التدخل الناعم عبر دعم القطاعات الخدمية وإعادة إعمار البنى التحتية ودعم المؤسسات الحكومية، والاستجابة العاجلة للكوارث الطبيعية المتخمة في أفريقيا. ولتحقيق هذه الغاية، ضمّت خطة تتضمن خمسة مجالات، منها دعم التنمية والتعليم والمعلوماتية والصحة والشباب والمرأة والبنية التحتية والزارعة من بين جدول أعمال القمة، تأكيداً على أن الجوانب الإنسانية جهدٌ مشتركٌ بين تركيا وأفريقيا لمد أواصر الصداقة والتعاون بين تركيا والقارّة، وأن لا تكون العلاقة مبنيةً بالتبادلية النفعية فقط. وهي سياسةٌ أخذت حيزاً كبيراً في مبدأ التوسّع والانتشار نحو أفريقيا، ما يميزها عن بقية اللاعبين الدوليين في أفريقيا، في ظل تدهورٍ متسارعٍ لليرة التركية، والتي وصلت إلى أدنى مستوى لها أمام الدولار (16.3 مقابل الدولار)، قبل أن تتعافى جزئياً.

ما كان ملفتاً في القمة أيضاً، رواج المسيّرات التركية التي ظهرت إلى العلن إبّان الحرب العسكرية بين أذربيجان وأرمينيا عام 2020، وشكّلت فارقاً عسكرياً ورجّحت ميزان القتال لصالح باكو، وهو ما أعطى زخماً للمسيّرات التركية، وبدأت أنقرة ببيعها للقارّة كـ"الخبز الطازج"، باعتبار أن التبادل التجاري مع القارّة الأفريقية لن يبقى في إطار السلع الاستهلاكية، بل سيتسع نطاقه نحو بيع الأسلحة بأنواعها المختلفة، في ظل وجود حضور عسكري تركي في الصومال، من خلال قاعدتها في مقديشو (2017)، إلى جانب تزويد أديس أبابا بمقاتلاتٍ تركيةٍ يعتقد أنها شاركت في الحرب المستمرة في إقليم تيغراي، وذلك بعد اتفاق تعاون عسكري بين أنقرة وأديس أبابا في أغسطس/ آب الماضي، كما أن تركيا سلمت كلاً من المغرب وتونس المسيّرات التركية المسلحة في سبتمبر/ أيلول الماضي، مع وجود اهتمام لدول أفريقية عدة لضم المسيّرات التركية ذات التقنيات القتالية العالية في عتادها العسكري، ولمدى الاهتمام الأفريقي البالغ تجاه مسيّراتها. وقد قال الرئيس التركي، أردوغان، "إن عديدين من قادة الأفارقة يتحدّثون عن طائراتنا المسيّرة في كل مكان ذهبت إليه في أفريقيا"، وهذا جاء عقب زيارته أنغولا ونيجيريا وتوغو في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

مستقبل تركيا في أفريقيا مرهونٌ بمدى إدراكها الأخطار الناشئة والتبعات الأمنية والاقتصادية التي تعجّ بها القارّة

اللافت أن النفوذ التركي في أفريقيا يواجه تحدّيات كثيرة، وفي خضمها التحدّيات الأمنية وتزايد المنافسين واللاعبين الكبار في القارّة، وخصوصاً خاصرتها الشرقية (القرن الأفريقي)، هذا إلى جانب تبعات جائحة كورونا الاقتصادية، والتي قضت على أحلام شركات تركية كثيرة نحو التوسع في أفريقيا، سواء بسبب ضعف إمكاناتها الاقتصادية لتلك الدول أو من جرّاء تداعيات الأزمة المالية التركية، وتهاوي الليرة، وهذا ما سيُحدِث فعلاً ارتداداتٍ سلبيةً على الاقتصاد التركي، وتراجع أسعار منتجات تركية عديدة، هذا فضلاً عن الأوضاع الداخلية لدول القارّة الأفريقية، من حيث عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتأثير التداخل الخارجي المضادّ للحضور التركي في القارّة، وهو ما قد يؤثر على مستقبل التموضع التركي، إذ لم تنتهج أنقرة سياساتٍ أكثر وقائيةً وجدّية وإصراراً على مضاعفة دبلوماسيتها الناعمة في العواصم الأفريقية.

سياسة العمق الاستراتيجي التركية تجاه أفريقيا آخذةٌ في التوسّع، وتنطلق من مبدأ "الاستمرار والتغيير"، فالتغيير هو وضع سياسات أساسية للرؤية المعرفية الناظمة للتوجه التركي الخارجي، وليس فقط إقامة تحالفات شكلية مؤقتة، وهذه هي المقولة المركزية لنظرية وزير خارجيتها الأسبق أحمد داود أوغلو، لأن الاستجابة للتحدّيات الداخلية والخارجية تتطلب إدراكاً مسبقاً ومعرفة عميقة لمنافسيها الكبار، وتحدياتها الجيواستراتيجية، لمواجهة توازناتٍ أوتوماتيكيةٍ في بيئةٍ عولميةٍ قد تتطوّر بنقرة زر واحدة، بينما الاستمرارية التي تعد أحد عناصر رؤية السياسة الخارجية التركية تتمثل في تذليل العقبات واحتواء التحدّيات وعدم الاستسلام للظروف المحيطة بمناطق حضورها، وهو ما يمنحها مناعة في التكيف مع المتغيرات الجديدة في الدول الأفريقية، كثيرة الغليان والتقلبات السياسية، خصوصاً في الصومال التي يواجه الحضور التركي فيها تحدّياً أمنياً بسبب تهديدات حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب مخاوف سياسية من وصول خصوم تركيا إلى الحكم بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما قد يخيّب آمال تركيا لضمان مستقبل وجودها في منطقة القرن الأفريقي أمنياً واستراتيجياً. لذا، فإن مستقبل تركيا في أفريقيا مرهونٌ بمدى إدراكها الأخطار الناشئة والتبعات الأمنية والاقتصادية التي تعجّ بها القارّة، تجنباً لتأثيرات تلك الاختلالات الداخلية في أفريقيا وانعكاساتها على مستقبل حضورها في المنطقة من جهة، واقتصادها وسياساتها الداخلية من جهة ثانية، انطلاقاً من سياسة "صفر مشاكل" ورؤية إخماد الحرائق المشتعلة من البيوت الخشبية قبل أن تضرم النار في عقر دارها.