عن الصراع على السلطة في الصومال

عن الصراع على السلطة في الصومال

03 يناير 2022
+ الخط -

يعيش الصومال على وقع سلسلة من أزمات لا تنتهي، منذ إطاحة نظام الديكتاتور محمد سياد بري عام 1991، ولعلّ أحدث حلقاتها تتجسّد في الأزمة السياسية الدائرة ما بين الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد (فرماجو) ورئيس الوزراء محمد حسين روبلي، على خلفية الصراع على السلطة، الذي يأخذ أشكالاً متعدّدة بينهما، ويظهر، في غالب الأحيان، في شكل نزاع على الصلاحيات الدستورية بين السلطات الرئاسية والتنفيذية، في ظلّ الدستور المؤقت، وغياب المحكمة الدستورية المنوط بها فضّ النزاعات والخلافات بين السلطات والقيادات السياسية في الصومال.
والمقلق في الوضع الصومالي أنه كلما ارتفع منسوب الخلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء تظهر القوى العسكرية والفصائل المدجّجة بالسلاح في شوارع العاصمة مقديشو، والتي عادت لتظهر في الشوارع، بعد تعليق الرئيس فرماجو مهام رئيس الوزراء روبلي للمرة الثانية خلال أقل من أربعة أشهر، على خلفية اتهامه بالتدخل في قضيةٍ تتعلق بمصادرة أرض، وسحب التفويض بإجراء الانتخابات منه، فيما اتهم روبلي فرماجو بـ "الانقلاب على الحكومة والدستور وقوانين البلاد". وبالتالي، بات الصوماليون يتخوّفون من أن يتطوّر الصراع على السلطة في بلادهم إلى صراع عسكري، ومن اللجوء إلى لغة الرصاص من أجل تسويته، بدلاً من اللجوء إلى لغة الحوار والتفاوض.

ينذر تجدد الأزمة السياسية، ليس فقط، بتعطيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بل بانهيار ما يمكن تسميته "الاستقرار النسبي" والقلق

ويعتبر فرماجو نفسه رئيساً، وأنّه ما زال يتمتع بكامل الصلاحيات في البلاد، وبالتالي من حقه ممارسة صلاحياته في إقالة كبار المسؤولين فيها وتعيينهم، بينما يعتبر روبلي أنّ فرماجو فاقد الصلاحيات الدستورية، لأنّ ولايته الرئاسية، المحددة بأربع سنوات، انتهت في 8 فبراير/ شباط 2021، ولا مبرّر أو قاعدة دستورية لاستمراره في منصب الرئاسة.
وسبق أن تصاعدت حدّة الأزمة بين الرجلين، في مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، على خلفية النزاع على الصلاحيات الأمنية التي يعتبر كل منهما أنها جزء أساسي من اختصاصه الدستوري، حيث أقال روبلي مسؤولين أمنيين محسوبين على فرماجو وعيّن شخصيات محسوبة عليه، تبعها إصدار الرئيس قرارات تعيين مضادّة وتعليق صلاحيات رئيس الوزراء الخاصة بالتعيين والإقالة، ورد عليه روبلي باعتبار قرارات فرماجو غير دستورية ومعرقلة إجراء الانتخابات وتشكل محاولة منه للاستيلاء على السلطة، لكن الأزمة هدأت في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعد وساطات محلية قادها رئيس ولاية جنوب غرب الصومال، عبد العزيز حسن محمد لفتاغرين، وأفضت إلى تسويةٍ قضت بحسم الخلاف بينهما، وتسريع الانتخابات البرلمانية، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية، وتحقيق العدالة في قضية اختفاء إكرام تهليل فارح، الموظفة في وكالة المخابرات والأمن القومي الصومالية.
وينذر تجدد الأزمة السياسية، ليس فقط، بتعطيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بل بانهيار ما يمكن تسميته "الاستقرار النسبي" والقلق، السائد في الصومال خلال السنوات القليلة الماضية، بعد أن أنهكت البلاد ودمرتها حربٌ أهليةٌ اندلعت في 1991، واستمرّت أكثر من عقدين. كما ينذر بدخول فصائل مسلحة إلى العاصمة، خصوصاً حركة الشباب التي استولت على مدينة بلعد القريبة منها.

فشلت كل الوساطات المحلية والإقليمية في حل خلافات الرئيس ورئيس الوزراء، لتستمر الأزمة وتتفاقم

ومنذ مجيء فرماجو إلى السلطة في 16 فبراير 2017، نشبت خلافات بينه وبين زعماء الولايات وقوى المعارضة بشأن ترتيبات الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وعلى إثرها عيّن، في 17 سبتمبر 2020، روبلي رئيساً للوزراء، ثم كلفه في 1 مايو/ أيار الماضي بمهمة إجراء الانتخابات، لكنّ الخلافات سرعان ما دبّت بينهما، وأفضت إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية، على الرغم من انتهاء ولاية البرلمان في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2020. ومع التأجيل، برزت مخاوف من عدم إمكانية تحقيق انتقال سلمي للسلطة، وبالتالي فشلت الحكومة الصومالية في إكمال إجراء الانتخابات البرلمانية التي انطلقت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وكان من المفترض أن تكتمل في 24 ديسمبر الماضي، الأمر الذي أفرز أزمة سياسية ودستورية في الصومال بشأن أهلية الحكومة في مواصلة عملها بوصفها حكومة تصريف الأعمال، فضلاً عن أزمة شرعية استمرار الرئيس في منصبه.
وعلى الرغم من تدخل مجلس الأمن الدولي في الأزمة، وعقده جلسة طارئة، في 23 نوفمبر الماضي، من أجل منع تدهور الأوضاع في الصومال ووقف إرهاصاتها على منطقة القرن الإفريقي، إلا أنه لم يقدّم شيئاً سوى دعوة مختلف الأطراف إلى حل خلافاتها من خلال الحوار، وبذل الجهود من أجل إجراء انتخابات نزيهة وشفافة، مع التعبير عن "قلقه الشديد" من تأثير ما يجري على إجراء الانتخابات البرلمانية. وبالتالي، فشلت كل الوساطات المحلية والإقليمية في حل خلافات الرئيس ورئيس الوزراء، لتستمر الأزمة وتتفاقم في ظل عدم رغبة القوى الدولية المتدخلة في الشأن الصومالي في حلحلة الأوضاع وتيسير الأمور، وذلك على حساب استمرار معاناة الصوماليين، وتتعمق في غياهب الحروب والنزاعات والانقسامات وتحكّم العشائر.

يشكل التأجيل المتكرّر للانتخابات البرلمانية والرئاسية أهم معضلة تواجه الصومال في هذه المرحلة

ويزداد الأمر تعقيداً بعد فشل كلّ الوساطات المحلية والأفريقية لحل الخلاف بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء، في ظل إحجام الولايات المتحدة والدول الكبرى عن التدخل المباشر لحل الأزمة، استناداً إلى تجربتها الفاشلة في هذا البلد من قبل. ويشكل التأجيل المتكرّر للانتخابات البرلمانية والرئاسية أهم معضلة تواجه الصومال في هذه المرحلة، إلى جانب عدم وضع سقف زمني محدّد لعقدها، فضلاً عن اتهام أطراف المعارضة السياسية الرئيس فرماجو بالعمل على السيطرة على اللجان الانتخابية الإقليمية، من أجل إعداد قوائم المرشّحين مقربين منه واستبعاد المعارضين، وذلك كي يضمن تأمين الأصوات اللازمة لإعادة انتخابه، الأمر الذي استدعى تشكيك اتحاد المرشّحين الرئاسيين في نزاهة الانتخابات، واتهام فرماجو بالتدخل فيها وعرقلة إجرائها.
وبصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة، يظهر الواقع الصومالي أنّ أزمة الصراع على السلطة ستتواصل، بالنظر إلى أنّ الطريق نحو إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ليست ممهدة، مع أنّها إحدى أهم الحلقات الأساسية الممكنة لخروج البلد من أزمته الراهنة، لكنّ إجراءها يتطلب، بالدرجة الأولى، وجود رغبة حقيقية لدى كل الأطراف الداخلية لإجراء انتخابات نزيهة والاحتكام إلى نتائجها، وامتناع الأطراف المنخرطة في العملية الانتخابية عن استخدام القوة بغرض تحقيق مكاسب سياسية، بما يعني القطع النهائي مع اللجوء إلى استخدام السلاح لحسم المعركة السياسية، كما يتطلب بذل جهود دولية وإقليمية لمنع الخروج عن مسار التهدئة والاستقرار النسبي، خصوصاً أنّ أطرافاً سياسية وعشائرية عديدة تتنافس على السلطة وتقاسم الموارد في البلاد، في ظل التركيبة السياسية والعشائرية المُعقَّدة للصومال، بوصفه دولة فيدرالية تتكون من ولايات وأقاليم تتمتع بالحكم الذاتي.