عن الاستخفاف بالموجة الثانية من كورونا

06 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

بعد مرور عام على انتشار وباء كورونا، لم يكن ممكنا إنكاره، ولا فرص لتوسع نطاق روايات المؤامرة لتفسيره. ولكن مع استمرار الأزمة، من دون قدرة كافية على مواجهة الجائحة العالمية، يحل مستوى من الكذب والاستخفاف محل الإنكار. الفعل نفسه تمارسه حكومات وأفراد على حد سواء، لكن الأسباب في الحالتين، وعلى الرغم من وحدة الفعل، مختلفة في المنطلقات والدوافع. بينما يجمعهما متشابهاتٌ منها سوء التقدير، أو وحدة العجز عن مواجهة الأزمة، فيتم تجاهلها أو الاستخفاف بها، فالأزمة تضيف أعباء على دول، فتكشف نقصا في الإمكانات، وضعفا في توظيف الموارد، غير إبراز لتمييز اجتماعي يظهره المرض، ويضيف الوباء على الأفراد أعباء احترازية، تباعد وعزلة غير ممكنة للأغلبية، وتضيع بين استخفاف الحكومات وأفراد متواطئين معها، تحديد طبيعة المخاطر والاحتياجات وسبل المواجهة.

مع الموجة الثانية لكورونا في مصر، توضح البيانات الرسمية ارتفاع أعداد الإصابة منذ نوفمبر/تشرين الثاني، والتي تجاوزت ألفاً وثلاثمائة يوميا في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، وهي تقارب ذروة الموجة الأولى، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بينما المشاهدات لحالات الوفاة تشير إلى انتشار ملحوظ، يتجاوز هذه التقديرات، غير تلميحاتٍ إلى مصادر حكومية، وإعلاميين مقرّبين من السلطة، خصوصا بعد توسّع الإصابات بين زملائهم، لم يعد إنكار انتشار إصابات كورونا ممكنا، ضربت العدوى قطاعات القضاة والرياضيين والفنانين. وأظهرت هذه القطاعات، لأول مرة، استغرابها من حالة التعتيم على انتشار معدّلات العدوى، بعد أن كانت في خط الإنكار سابقا، تراخت وتأخرت أجهزة الدولة في اتخاذ تدابير احترازية، كما في الموجة الأولى. والآن، يستشعر الجميع الأزمة، وتدلّل عليها إصابات في المحيط الاجتماعي لأفراد المجتمع، أو مشاهد متكرّرة عن أخبار الموت، تحولت وسائط إلكترونية، خصوصا فيسبوك إلى دفاتر عزاء، كما يمكن التدليل إحصائيا، على معدلات الوفاة، عبر تقدير الفارق بين متوسط الحالات المعتادة وارتفاع معدّلاتها في ظل وباء كورونا. وفي السياق شهادات متواترة عن ارتفاع تسجيل حالات الوفاة في المستشفيات نتاج أمراض الحساسية والالتهاب الرئوي.

الخوف من التوسع في استخدام آليات رصد تظهر حجم العدوى في مصر، يرتبط، بشكل أساسي، بنمط الحكم الذي يرتكز على الدعاية

المصارحة والشفافية، وإنْ ترتبط بمؤشرات الديمقراطية، إلا أنها ليست عاملا وحيدا فيما تعلنه الدول من بياناتٍ ومؤشراتٍ حول الأزمات، وفيما يخص حالة كورونا مصر، فإن الخوف من التوسع في استخدام آليات رصد تظهر حجم العدوى، يرتبط، بشكل أساسي، بنمط الحكم الذي يرتكز على الدعاية، ويقدّم نفسه أحيانا نموذجا ناجحا على مستوى متجاوز حدوده، وتسويق نفسه نموذجا يُحتذى به إقليميا ودوليا. لذا إظهار حجم الإصابات بوصفها أزمة، أو ما يمكن أن ينتج من إخفاقات في أثناء محاصرة معدل انتشار المرض سيمثل طعنا في شرعيته، ويهزّ صورته، ويبدّد ما تم تعميمه بوصفه نموذجا ناجحا في مواجهة الأزمة، نمط الحكم السلطوي، يلقي ظلاله على مواجهة الوباء، ويعطّل توظيف الإمكانات، ينشر الخوف ويعتم على الحقائق، يفصل طالبا اشتكى في برنامج في التليفزيون المصري من ازدحام مدرّجات الدراسة، ثم يراجع قرار الفصل، بعد تضامن واسع معه، يهاجم أولياء أمور حين يعلنون مخاوفهم على أبنائهم في المدارس، تعتبر أي شكوى من أزمةٍ تضرّ صورة الدولة، وربما الحاكم شخصيا، على الرغم من أن الوباء مختبر ومحطة أزمة لا تخص مصر وحدها، وإنما اختبار لمجمل السياسات الصحية والاقتصادية المأزومة وفرصة لمراجعتها.

الخطر على الأبواب، والأزمة مستحكمة، ولا مؤشّرات على انتهائها عالميا في وقت قريب

أبرز منطلقات الإنكار ثم الاستخفاف، وعدم المصارحة بحجم الأزمة، وإعلان جانب منها، يرتبط بنموذج حكم يرتكز على الدعاية وتسويق نفسه نموذجا للنجاح في محاصرة الوباء، بغض النظر عن واقع الحال، ومدى النجاحات الفعلية، هذه الرؤية التي ينطلق منها مسؤولون رسميون تحدّ من فرص محاصرة الوباء على أرضيةٍ تقديرٍ حقيقي له، ويتعاظم هذا الخطر في ظل عدد سكانٍ هو الأكبر عربيا، مع كثافةٍ سكانيةٍ مرتفعةٍ في أغلب المحافظات، تتجلّى أهمية التقدير الحقيقي لحجم المشكلة بأنها الخطوة الرئيسية لوضع مخطّط المواجهة، بما فيها تحديد الاحتياجات والموارد، واتخاذ ما يلزم من إجراءات وخطوات وتحديد الأولويات، ومهمٌّ هنا أن تأخذ في الاعتبار تجربتي أميركا والبرازيل، وما لعبته حكومتا البلدين من دور في اتساع الوباء، عبر نموذج شعبوى لم يقدر طبيعة الأزمة وحدودها في البلدين في أثناء الموجة الأولى.

أما الاستمرار في تسويق انخفاض أعداد الإصابات، قياسا بدول أخرى، بوصفه نجاحا، وإن كانت له مكاسب سياسية محدودة، فإنه يخلّف مستقبلا خسائر أوسع على من يروّجه، فالمرض يتجاوز الطبقات، وليس خاصا بفئة بعينها. لذا من الخطأ اعتبار ما يوصف نجاحا في مواجهة كورونا، أو انخفاض أعداد المصابين نسبيا، بوصفه مشروعا قوميا للدعاية. وإذا كانت مصر تمتلك إمكانات كبيرة للمواجهة، فالاستخفاف بحجم الأزمة يعطّل هذه الإمكانات، وإنْ كان لا بد من دعاية لنجاحٍ سيتحقق عبر توظيف للموارد، فليكن النجاح في المواجهة في صالح المجتمع، لا على حسابه من خلال ترويج صورة متجزئة.

إن مواجهة الجائحة لا تحتمل الحكومات فيها المسؤولية وحدها، فسلوك المواطنين في مصر وغيرها يلعب دورا في حصار كورونا

الخطر على الأبواب، والأزمة مستحكمة، ولا مؤشّرات على انتهائها عالميا في وقت قريب، وإن كانت مصر ستوفر اللقاح، فإن من الخطوات المهمة في المواجهة أن يتم توثيق حقيقي للحالات المصابة، عبر التوسّع في إتاحة الاختبارات بأسعار منخفضة، وأن يوظف الجانب الأكبر للميزانية التي رصدت لمواجهة تداعيات كورونا من أجل طمأنة الفئات التي تضرّرت من آثار كورونا، وهذا يستدعي توسيع مظلة الحماية الاجتماعية في شقّها المرتبط بالإعانات للعمالة غير المنتظمة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات طبق بعضها في الموجة الأولى، غير دراسة الإخفاقات والنجاحات، لتكون أساسا للتعامل مع الموجة الحالية. بهذا المنطق، يمكن أن تكون الخسائر أقل للمجتمع وللدولة. وعموما لا يزيد ثقل تجارة الدعاية المكرّرة، أن تنجح الهيئات المعنية بمعالجة الأزمة، وإن كانت مواجهة الأزمات التي تطاول المجتمع مسؤولية سياسية وأخلاقية لمن وضعوا أنفسهم في مواقع اتخاذ القرار، بينما ينتشر في بيئتنا العربية نمط وسائط من الحكم يعاير به المسؤولين المواطنين على جهود يقومون بها من منطلق مسؤولياتهم، وينتظرون في كل خطوة شكرا وامتنانا.

يبقى التأكيد أن مواجهة الجائحة لا تحتمل الحكومات فيها المسؤولية وحدها، فسلوك المواطنين في مصر وغيرها يلعب دورا في حصار كورونا، ومن بينها كواجب فردي، الالتزام بالإجراءات الاحترازية، وإن كان في تفاصيل عدم الالتزام الكافي ومنطلقاته، أسباب عدة متشابكة، منها الثقافة والعوامل الاقتصادية، والنظرة إلى الصحة والمرض وجدوى الحياة وقيمتها، والبدائل الممكنة والإمكانات المتاحة، وكل هذا أيضا ليس منفصلا عن نمط الحياة الذي تشكل فيه سياسات الدولة دورا في التشكّل على المدى البعيد.