على هامش الحركة التصحيحية

20 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

مات وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، اليوم الذي صادف الذكرى الخمسين للحركة التصحيحية التي قام بها الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، ضد رفاقه في الدولة وحزب البعث، حيث اعتقل رئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي، ورئيس الحكومة يوسف زعين، والأمين العام لحزب البعث صلاح جديد، بالإضافة إلى قيادات وازنة في الجيش والحزب لم تؤيد الانقلاب. وتستحق فترة المعلم في الخارجية وقفة تأمل خاصة، كونه الوزير الوحيد، خلال حكم الرئيس بشار الأسد، الذي لم يتحرّك من مكانه منذ وصوله إلى المنصب في فبراير/ شباط 2006. ولا يحتكر المعلم وحده هذه الخاصية، بل يتشارك فيها مع من سبقه إلى وزارة الخارجية، في فترة الأب، الوزيرين عبد الحليم خدّام وفاروق الشرع. وكلاهما مكث في المنصب فترة طويلة، في حين تغيرت حكومات كثيرة. ويكمن سر البقاء في المنصب، على الرغم من التعديلات الوزارية، لدى الأسدين، الأب والابن، في إتقان وزراء الخارجية الدور على نحو جيد، مثل الضباط المسؤولين عن الأجهزة الأمنية، علي دوبا، محمد ناصيف، وعلي مملوك، الذين يفهمون بالإشارة على حد قول المثل الشعبي. ومن يخرج عن الخط ويشتغل لحسابه الخاص يلق مصير غازي كنعان، الضابط المدلل في فترة الأب، رئيس الاستخبارات السورية في لبنان، والذي تولى في عهد الابن وزارة الداخلية، ولكنه مال صوب رئيس وزراء لبنان حينذاك، رفيق الحريري، فلقي مصيرا أسود.
منذ خمسين عاما، أصبحت الحركة التصحيحية بمثابة العيد الوطني الذي يتم الاحتفال به رسميا وشعبيا، ولا تعلو عليه مناسبة وطنية أخرى، وبسبب تمجيد "القائد حافظ الأسد للأبد"، سقطت أعياد أخرى، رغم أهميتها في التقويم السوري، مثل عيد الجلاء في 17 إبريل/ نيسان، وعيد انقلاب البعث في 8 مارس/ آذار، وعيد تأسيس البعث في 7 إبريل. ولا يعرف السوريون في الخمسين عاما التي مضت سوى عائلة الأسد التي حكمت البلد فعليا في 16 نوفمبر، ومن لم تسنح له فرصة السفر للعمل أو الهجرة إلى خارج سورية، فإنه يكون قد عاش حياته في هذا السجن الكبير الذي فصّله الأسد الأب ليكون على مقاس شعبٍ بأكمله من الطفل وحتى العجوز. وبنى الأسد نظاما يحفظ الحكم في ذريته إلى قرن على الأقل. وقد استعار نموذجه من كوريا الشمالية التي كان يحكمها كيم إيل سونغ، واستمر النظام بعده في نجله وحفيده الحاكم الفعلي حاليا كيم يونغ. والقاعدة الأساسية التي يقوم عليها النظام هي أجهزة الأمن.
عمر الدولة السورية 100 عام. تأسست عام 1920 حين تم وضعها تحت الانتداب الفرنسي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. منها 50 عاما حكم آل الأسد، وقرابة ربع قرن تحت انتداب فرنسا، والربع الآخر مضى بين الانقلابات العسكرية والوحدة مع مصر و"البعث". قرن كامل ضاع من عمر هذا البلد الذي يحتل موقعا استراتيجيا هاما، أوقعه في مرمى الأطماع والنزاعات الدولية. وبعد 50 عاما مرت في ظل الحركة التصحيحية لم يفقد السوريون الأمل بالخلاص، وبقي هذا البلد يحظى بمكانةٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ فريدة، بفضل أهله الذين يمتازون بأنهم من الشعوب الحية المحبة للعمل والبناء. ولذلك لم يمنعهم وجود نظام حكم عائلي أمني استبدادي خمسين عاما من بناء البلد، بما تيسّر من موارد، والحفاظ على طاقة التجدّد التي ساعدتهم طيلة العقد الأخير على مواجهة توحش آل الأسد الذين استخدموا كل أسلحة القتل والدمار للبقاء في الحكم. وقدّم السوريون تضحيات، خلال عشرة أعوام من الثورة، كي يطووا صفحة آل الأسد، ويطردوا هذا الكابوس الطويل من حياتهم.