عدن تدفع الثمن

عدن تدفع الثمن

25 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

لا تزال عدن الأكثر اضطراباً بين المدن اليمنية المتنازع عليها بين الأطراف الرئيسة للصراع، منذ اجتاحتها مليشيات جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وقوات من الجيش والشرطة الموالية للرئيس الراحل علي عبد الله صالح، في مارس/ آذار 2015، غير أنّ التنازع الراهن عليها ليس بين طرفٍ رئيسٍ وآخر، بل بين فصائل من قوات (مليشيات) تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي (انفصالي)، الذي تأسس، بدعم إماراتي، في مايو/ أيار 2017، خصوصًا قوات الإسناد والدعم، وقوات الحزام الأمني فرع عدن، التي تَتْبع، هيكليًا، قوات الإسناد والدعم.

تكشف المواجهات المسلحة التي شهدتها عدن، أخيرا، وتلك التي تخلّلت فترة ما بعد خروج جماعة الحوثي منها، أواسط عام 2015، عديدا من هويات الصراع داخل النسيج اليمني الجنوبي وبواعثه، وأثر الدور الخارجي الذي يوجِّه نتائج ذلك لمصلحته، ولمصلحة القوى الدولية المهيمنة. وتؤدي هذا الدور، حاليًا، السعودية والإمارات، بوصفهما الدولتين الفاعلتين في ما يُسمَّى التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية (الحكومة المعترف بها دوليًا)، فضلًا عن دور محتمل، وغير مباشر، لجناحٍ من هذه الحكومة، يقف وراءه موالون للرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي ينتمي إلى جغرافية الجنوب، ولكن لم يعد له نفوذ مسلح في عدن مُنذ طُردت قواته منها في أغسطس/ آب 2019.

انهيار أمني، وتعطيل لمناشط معظم مؤسسات سلطات الدولة، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية

بالنظر إلى خريطة النفوذ المسلح في مدينة عدن، بين الفصائل المسلحة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، تتكشف هُوية الانتماء الجغرافي المؤجِّجة للصراع؛ حيث تتقاسم هذا النفوذ منطقتا الضالِع ويافِع، مع نفوذ محدود، ويبدو أنه لن يطول، لأبناء عدن نفسها الذين يتمركز وجودهم المسلح في منطقتي الشيخ عثمان والمِمْدارة، فيما يتمركز الوجود المسلح للضالع ويافع في بقية عدن، وعلى سبيل المثال: كِريتر، والمُعلَّا، والمنصورة، والبساتين.

ما وصلت إليه عدن من انهيار أمني، وتعطيل لمناشط معظم مؤسسات سلطات الدولة، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لا يمكن تجاوزه إلا بالتنفيذ الكامل والشامل لاتفاق الرياض لعام 2019، الذي جمع بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى السياسية الموالية للرئيس هادي؛ حيث ضَمِن دمج كل التشكيلات المسلحة في هيكلي وزراتي الدفاع والداخلية، وإفراغ عدن من أي وجود عسكري، لأي طرفٍ كان؛ غير ذلك فإن دورات عنف أشد مما مضى ستطاول المدينة التي باتت تربض على تلالٍ من الأسلحة، وتطوقها جحافل من المليشيات، فضلًا عن القوات الحكومية التي تحاول العودة إليها، قسرًا، منذ خروجها منها أواخر عام 2019.

يُمعن كل طرف في الاتفاق في مراكمة مزيدٍ من قدراته العسكرية التي تمكّنه من فرض خياره السياسي، متى سنحت له الفرصة

عمليا، لا يبدو ذلك ممكنًا، لعدة أسباب، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية لطرفي الاتفاق؛ حيث يثابر المجلس الانتقالي الجنوبي من أجل فصل الجنوب عن الشمال الذي تتقاسم النفوذ فيه جماعة الحوثي والقوى المناوئة له، ممثلةً بالحكومة المعترف بها دوليًا، وفصائل مسلحة أخرى تناوئ كلًا منهما، فيما يمضي الطرف الآخر للاتفاق في طريقه إلى الدولة الاتحادية من ستة أقاليم، وفقًا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل لعام 2014، مع ما تبديه أطراف جنوبية أخرى من ميلٍ إلى ذلك، أو الانشقاق في كيانٍ مستقلٍّ بعيدًا عن هيمنة مؤيدي الانفصال ومؤيدي الدولة الاتحادية، وهذا ما يجسّده تطلع أبناء محافظة حضرموت، التي تمثل ثلث مساحة اليمن، مع تطلعهم إلى ضم محافظتي المهرة وأرخبيل سقطرى، لا سيَّما أن هذا التوجه يحظى بدعم خارجي وإقليمي، غير معلن، نظرا إلى ما يوفره من مكاسب استراتيجيةٍ لا يمكن أن تحققها ظروف أخرى منظورة.

يبدو أن كلا التوجهين، الانفصالي والاتحادي، غير متاحيْن في الأجل القريب. لذلك يُمعن كل طرف في الاتفاق في مراكمة مزيدٍ من قدراته العسكرية التي تمكّنه من فرض خياره السياسي، متى سنحت له الفرصة، وهذا ما يفسّر مراوغة المجلس الانتقالي الجنوبي، نحو عامين، في تنفيذ اتفاق الرياض، ودعوته إلى عودة الحكومة المشارك فيها إلى عدن، بعدما طردها، كسابقتها، مطلع هذا العام، نتيجة عدم توفر الظروف الأمنية المناسبة للقيام بوظائفها، وبقاء الملحقين، العسكري والأمني، لاتفاق الرياض من دون تنفيذ.

الوضع المأساوي الذي آلت إليه عدن، يضع جميع الأطراف المنخرطة تحت مظلتي الحكومة المعترف بها ودوليًا، والتحالف العربي "الداعم لها"، أمام مسؤوليات عدة، وطنية وإنسانية، نتيجة حرمانها من المقومات البسيطة لاستمرار الحياة، ناهيك عن فظائع الفوضى المسلحة، التي تخطف، مع كل دورة عنف، مئات من الأبرياء، فضلًا عن المقاتلين. أما الأخطر من ذلك، فإنه عندما يحاول سكان عدن مقارنة وضع مدينتهم بوضع المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي، لا يجدون مجالًا للمقارنة معها، وهي المدينة التي تطلّ على خليج عدن، وتضم مرافق استراتيجية كانت، إلى وقت قريب، مصدرًا للعائدات الكبيرة والمضمونة لخزينة الدولة.