صراع على الهزيمة

14 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

من حسن حظ الجنرال كارل فون كلاوزفيتز الذي عاش في أواخر القرن السابع عشر، ووضع مؤلفًا ضخمًا عن نظرية الحرب وخططها، أنه ليس على قيد الحياة اليوم، ليعرف أن ثمة عربًا دحضوا نظريته القائلة إن أي حربٍ تخاض هدفها الانتصار على العدوّ وسحقه، واستبدلوها بنظرية جديدة قوامها "الحرب من أجل الهزيمة"، وليس النصر الذي يسعى إليه كل قائد عسكريّ على وجه الأرض.

ولئن شئنا مصطلحًا أوضح تحديدًا، لقلنا إنها صراعاتٌ عربية في سبيل الحضيض؛ إذ من الجليّ أن كثيرين من عرب اليوم يخوضون صراعاتٍ محكمة الإعداد والتخطيط، للبقاء تحت سقف الدونية، كمن يكافح المتون للانتقال إلى الهوامش.

من عرب اليوم، مثلًا، من يخوض صراعًا، معلنًا أحيانًا، ومستترًا في أحايين أخرى، ضد امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا، ويسوقون آلاف الذرائع لتسويغ مواقفهم العدائية، منها الخشية على "أمن الإقليم والسلام العالمي"، وكأن هذه الحمائم العربية تعيش في "المدينة الفاضلة" بوداعةٍ وسلام، ولا تريد أن تلوّث نقاء إقليمها بأسلحة الدمار الشامل، وتدخل مع إسرائيل على خط "القلق" نفسه من نوايا إيران "الخبيثة" بامتلاك مثل هذا السلاح، بل ثمّة تنسيق بين الطرفين لحصار إيران وإجهاض نزعاتها النووية. وفي المقابل، تتغاضى الحمائم عن مستنقع التلوث الذي يغمرها حتى أعناقها بترسانات إسرائيل الفتاكة من أسلحةٍ نوويةٍ وكيماوية وجرثومية، إلا إذا كانت تعتقد، بغبائها المستفحل، أنها قد أمنت شرّ إسرائيل بمعاهدات سلامٍ سيطمسها براز الحمام.

كان الأدعى أن يتجاوز أولئك العرب قصر نظرهم برهةً واحدة، ليعرفوا أن قنبلة إيران النووية إن لم تكن رادعًا لإسرائيل، فستتيح لهم، على الأقل، فرصًا أزيد للمناورة بين عملاقين نوويّين، ولربما منحهم ذلك قدرةً على تحسين شروط معاهداتهم مع إسرائيل، وهذه تحديدًا أعظم ما يحتاجه المفاوض الفلسطيني "الغلبان" أمام الغول الإسرائيلي الذي جرّده حتى من ثيابه، غير أن الدّونية تأبى أن تفارق أقزامها، فعوضًا عن الانحياز لإيران، أقلّها في هذا الجانب، ثمة من العرب من يشدّون على يدي أميركا في انسحابها من اتفاقها (النووي) مع إيران الموقع سنة 2015، ولم تعارضه آنذاك سوى إسرائيل وحدها، بل منهم من يطالب اليوم بأن يكون "شريكًا" في أي مفاوضاتٍ مقبلة بشأن إبرام أي اتفاق أميركي غربيّ جديد مع إيران.

أوردتُ إيران مثلًا عن الصراعات العربية العكسية، لأنها الأوضح في هذه المرحلة، من دون التغافل عن كثير منها. على صعيد محلي، شُكّلت في الأردن جمعية شعبية لمقاومة برنامج لإنشاء مفاعل نووي بسيط في جامعة العلوم والتكنولوجيا لأغراض توليد الكهرباء، لا أزيد من ذلك، فثارت ثائرة قطاع من المواطنين "الحمائم"، الذين رأوا في المفاعل خطرًا على "البيئة"، وهو ما يبرهن أن الصراع على الهوامش لا يقتصر على فئة الحكام، بل تشاطرهم في ذلك قطاعات شعبية لا يستهان بها.

المعضلة التي لن يقوى على تفسيرها أحد هي ذلك التناقض العجيب في الشخصية العربية، إذا تعلّق الأمر بالصراعات الداخلية والبينية؛ فلا يتورّعون حينها عن نفض ريش الحمام عن جلودهم، واستبداله بالحراشف والأنياب، واستخدام كل ما في أيديهم من أسلحة الفتك والسحق، وتشريع الاستعانة بالخارج وترساناته من يورانيوم مخضّب وقنابل انشطارية، وعدم الممانعة من استخدام السلاح النووي، إن تطلّب الأمر، من أجل السيادة والتفرّد بالحكم واحتلال المتون، لا لشيءٍ سوى لأن المنازع أخ وشقيق وابن جلدة .. على الرغم من أن سيادتهم على شعوبهم ورقيّة، سرعان ما تتمزّق عند أدنى هبّة ريح خارجيّة. آنذاك، تشتعل حروبٌ لغاياتٍ أخرى، تسمّى "حروب الهوامش" أو "الحروب من أجل الأوكار"، ومن أجل أن نظل في الصفّ الأخير من العالم.