دو توكفيل يقرأ مصالح المغرب الكبير مع بايدن

10 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كان أليكسيس دو توكفيل‮، في معرض حديثه عما سمّاه "عن الديموقراطية الأميركية" قد رأى في الولايات المتحدة الصورة المثالية لهذا الالتزام النبيل للسلم السياسي، والذي نتعارف على تسميته الديمقراطية.‬ وكتب "‬أعترف بأني،‮ ‬في‮ ‬أميركا،‮ ‬رأيت ما هو أكبر من أميركا،‮ ‬لقد بحثت فيها عن صورة الديمقراطية نفسها". وأمام هذا الاعتراف الذي‮ ‬يعود إلى قرابة قرنين،‮ ‬يبدو من المتابعة الكبيرة لكل البشرية مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكأن آخر الأخبار كتبت بالفعل في سنة 1853، ‬تاريخ صدور المجلد الأول من كتابه، مع تعديل بسيط، ربما يقتضيه الفارق الزمني، وهذا الفارق أن الأميركيين عادوا إلى البحث عن تلك الصورة المثلى في انتخابات رئيسهم، فقد سمعنا عقب الإعلان عن نتيجة الاقتراع الرئاسي، وقبله بقليل، عن الفرح بعودة المؤسسات والديمقراطية.
أشادت كامالا هاريس، أول امرأة تتبوأ منصب نائب الرئيس الأميركي، بـ"يوم جديد لأميركا"، وصارت إلى القول إن "هذه الانتخابات هي حول ما هو أكثر بكثير من جو بايدن أو مني"، مضيفة أنها "تتعلق بروح أميركا واستعدادنا للمحاربة من أجلها". نحن أمام تصريح يتجاوز التعبئة الانتخابية إلى شعور عام، كما لو أن أميركا تكتشف نفسها من جديد، بعد العبور القرف للرئيس ترامب الذي بعثر المؤسسات لفائدة فردانية، كان توكفيل نفسه قد اعتبرها أحد الانزلاقات التي تهدد الديمقراطية الأميركية. ويمكن للخيال الأدبي أن يزور الكاتب الفرنسي بكتابه عن الولايات المتحدة، ويراه ‬وقد شدّ رأسه،‮ ‬وهو‮ ‬يتقلب في‮ ‬قبره، فصاحب "الديمقراطية في‮ ‬أميركا"،‮ ‬أهم كتاب ربما عن الحكم‮،‮ ‬في‮ ‬القرنين الأخيرين،‮ ‬كان‮ ‬يعتبر أن أهم ميزة للديمقراطية الأميركية‮ أنها تنبني‮ ‬وتشيد على‮ إطلاقية السيادة الشعبية‮، فهو لم يضرب حساب ترامب، بعد عقود، وهو "يربي" الديمقراطية على الطريقة العربية، أي التي تقف عند مزاج الحاكم.

كان دو توكفيل ‮ ‬يعتبر أن أهم ميزة للديمقراطية الأميركية‮ أنها تنبني‮ ‬وتُشيد على‮ إطلاقية السيادة الشعبية‮

قام توكفيل‮ بتحليل الديمقراطية كبنية سياسية‮، و‬هذا ما تحتاجه اليوم‮. وهو ما يفسّر، عطفا على ذلك، الحديث عن الزخم الذي ‮‬تعطيه ‬الحركة الديمقراطية للحكومة والقوانين والحياة السياسية.‬‬‬‬ وتاليا، انتصار المزاج الشعبوي، التآمري على الديمقراطية، وبانت أعراض تدهورها في "الاستبداد أو الطغيان الرخو" الذي حذر منه توكفيل، والذي أراده ‬ترامب‮ وسيلة للبقاء.‬ وقد توقع دو توكفيل كل انزلاقات الديمقراطية الأميركية،‮ ‬ولخصها في‮ ‬ثلاثية معروفة اليوم في‮ ‬أدبيات السياسة: طغيان الأغلبية،‮ ‬والفردانية، واستبداد الدولة‮.‬‬‬‬‬‬‬

الروح العامة للعقل،‮ ‬كما تتجسّد في الممارسة السلمية للتنافس السياسي،‮ ‬لغَّمها الفرد المرشّح بإظهار العضلات والشحن الميتا - عرقي، والتشكيك في كل الخصوم والوسائل التي تؤدي إلى.. هزيمته.‬‬ وهنا لا بد أن نتساءل عن المعنى التاريخي للانتصار الذي حاز عليه جو بايدن، كما عبرت عن ذلك أغلب عواصم العالم الحر، على الرغم من أن التمرين الديموقراطي الذي اعتادته أميركا يجعل التمرين الانتخابي مسألة معتادة؟ الواضح أن الغرب الأطلسي وجد في "تاريخية" النصر عودة إلى ثوابت السياسة الدولية، بمنظماتها الدولية والأساليب المعتادة التي لا تعطي للعجرفة الذاتية معنى في بناء العلاقات الدولية.

لا شيء كان عند ترامب من دون مقابل، في المصلحة الأميركية المباشرة، أو على أساس المصالح المشتركة مع دول يقتسم معها المصلحة أو التموقعات، كإسرائيل

من الزاوية المغاربية، كانت التخوفات تكاد لا تكون معلنة من الدول المعنية بالسياسة الأميركية، فلا شيء كان عند ترامب بدون مقابل، سواء على أساس المصلحة الأميركية المباشرة، أو على أساس المصالح المشتركة مع دول يقتسم معها المصلحة أو التموقعات، كإسرائيل. وإذا كان صحيحا أن المنطقة المغاربية لم تخضع للضغط نفسه الذي خضعت له دول الشرق الأوسط، فقد كان واضحا أن الأخير كان سيفرز نتائج على الاستراتيجية في هذه المنطقة، ليس أقلها استمرار الضغط من أجل التطبيع مع دولة الاحتلال أو التموقع في مواجهة روسيا، بحشرها في خندقه عند التنافس الجيواستراتيجي أو الصين، من زاوية الحرب الاقتصادية التي خاضها ضد التنين الأصفر. وقد لا تتغير ثوابت الاستراتيجية الأميركية رأسا على عقب، وجو بايدن، من زاوية المصالح، سيظل أميركياً، وإن كان ديمقراطيا، وخلافه مع دونالد ترامب أنه سيشرك الأنظمة، والشركاء الأقربين، سيما الأوروبيين في تدبيري الثنائي الآسيوي، الروسي - الصيني، في أفريقيا وتدبير مشكلات الأمن والتهديدات الإرهابية، إضافة إلى محاولة اللعب على قاعدة الديمقراطية في تحديد شروط التعاون.

تنتظر بلاد المغرب مواصلة الشراكة الاستراتيجية والدعم، من خلال استمرار الشراكات الاستراتيجية، اقتصاديا وتنمويا وأمنيا، والتي تدمج فيها الأقاليم الجنوبية

وسيكون للاكتشاف الديمقراطي لبايدن، بعد التجربة الترامبية، ثمن، وامتداد أيضا. وقد يكون مختبره من خارج أميركا، بعد إعادة توحيدها، هو دعم الدول السائرة في طريق البناء الديمقراطي، وإعادة تنشيط التعاون مع الدول التي تفعل البند الديمقراطي في إدارة شؤونها، أي الدول التي تقتسم معه هذه الروح العامة للعقل الديمقراطي، سواء من خلال دعم منظماتها الديمقراطية والمدنية، أو من خلال تطوير الشراكة مع حلف شمال الأطلسي، أي الشريك الاستراتيجي المفضل، كما هو حال المغرب وتونس. وتنتظر بلاد المغرب بالذات مواصلة الشراكة الاستراتيجية والدعم، من خلال استمرار الشراكات الاستراتيجية، اقتصاديا وتنمويا وأمنيا، والتي تدمج فيها الأقاليم الجنوبية. وسيكون جو بايدن، من زاوية إنعاش الديمقراطية الأميركية، أمام معيار أو سلّم قيم، يأخذ بالاعتبار التقدم على هذه الواجهة، من خلال الأخذ بالاعتبار الديناميات الداخلية للدمقرطة، وهو أمر لا تتساوى فيه دول المغرب الكبير، للأسف.
بالرجوع إلى دو توكفيل، للربح الدائم، لا بد من الاقتناع النهائي والدائم، بإطلاقية السيادة الشعبية، ثم لا بد من تحليل الديمقراطية كبنية سياسية، بما يعني ذلك من حيوية، تنفخها الحركة الديمقراطية في الحكومة والقوانين والحياة السياسية، وهو أمر يحصن أيضا من تقلبات المزاج الانتخابي للقوى الكبرى!