حكم فاشل لن ينقذه "التسْكيج"

15 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لبنان يسقط يومياً. لا نهاية لعمق القعر الذي بلغه. كل يوم أسفل مما سبقه. هاويته تسابق تاريخه. تستبق مستقبله. والمؤكّد أن هذا المستقبل لن يكرّر ماضيه "الفَيْنيقي"، المنْبعث من رماد. وهذا الماضي ليس هو مولّد ذاك المستقبل. "اللاعبون" المحليون على ساحته الضيقة يدورون حول أنفسهم. يحاولون البقاء على قيد كراسيهم. ولكن نجاحهم تافه، متواضع، بلا معنى. يجرّبون السُبل. الواحد تلو الآخر، غير عابئين بالوقت الضائع، ولا بالموارد المفقودة، أو الحَيوات الضائعة. المهم أن يجدوا "حلولا" تبقي نظامهم على رجْلَيه. وآخر إنجازاتهم لحماية نظامهم، الذي يحميهم، هي لعبة الذي لا يعرف، أو الذي ابتلع لسانه. 

خذ النيران مثلاً. منذ انفجار المرفأ في بيروت، لا يعرف رجال هذا النظام سببها، مصدرها. استجوابات، استدعاءات. كأنها "تحقيقات" جدّية. الرسمي مما رشح عنها، لا شيء تقريباً، سوى تلك الجملة التي بقيت في الذاكرة: أنه، أي الانفجار، كان بفعل عامل تلحيم الحديد "السوري"، الأرجح أنه قضى في الانفجار. لذلك، عندما تندلع نيران ما بعد المرفأ في أنحاء البلاد والعاصمة؛ أو انفجارات تنافسها بالضحايا والخراب.. لا تجد "مسؤولاً" واحداً يتكلم، إلا بنوعٍ من الهزل الرصين. أو بتلميح من هنا، أو صمتٍ مطْبق من هنالك. كله مرهونٌ بمكان اندلاع هذه النيران، وبموقف المتنازعين من بعضهم. وهم، في سكْرة صراعهم هذا، لا يعيرون تاريخ النيران أية أهمية تُذكر. تقاعسهم عن ضبطها، أو البحث عن مشعلها، يهدّد كيانهم السياسي المتخبِّط. صحيحٌ أن النيران تحرق، تجرح، تقتل. وهي تُهلك، تبيد، تفني أحياناً كل أسباب الحياة، وتلغي البرهان على وجودها. ولكنها أيضاً، أي النيران، تطهّر، تنظف، تنقّي. وهي بذلك تشكّل خطراً على أهل السلطة المتحصنين خلف معاقلهم، فالنيران أيضاً توسعية، تخترق تلك المعاقل، تكْتسحها.

منذ انفجار المرفأ في بيروت، لا يعرف رجال هذا النظام سبب النيران ومصدرها، فكيف يحكمون بلدا؟

كيف يواجهونها، تلك النيران؟ والتي يعلمون أنها تقترب منهم؟ وأن ذريعة "عامل التلحيم السوري" هي من باب الفصاحة الإعلامية، ليس إلا؟ إنهم ما زالوا على عهدهم السابق: بسؤالهم الدائم عن الدولة المفقودة، أو احتجاجهم على انفراط عقد مؤسسات هذه الدولة .. بعدما تسبّبوا بتخريبها. فهم يظنون أن "عامل التلحيم" يسترهم. وغياب المعارضة الجدّية لهم يسهّل عليهم "الحلول"، فلا يصعب عليهم أن يقوموا بأخفّ "الأعمال" الممكنة. كأنهم استلهموا تعليمات السمْكري الفاشل النصّاب: قطعة من هنا، سدّ ثغرة من هناك، أو ترقيعها، فتح مجرى هنالك. حلول مؤقتة، جزئية. تتجاهل الأعطاب الأساسية.. هكذا يدافعون عن أنفسهم. بما يُعرف بالعربية الدارجة اللبنانية بـ"تسْكيج" (أو "الكرْوَتة" بعامية أخرى) .. في بقعة صغيرة من الكوكب، مثل لبنان، يرتدي شغل السمْكرية هذا ملامح دقيقة: مثل بيتٍ كبير أصبح خرابة، إمدادات المياه بداخله معطّلة. يحتاج إلى تصليح، أو ترميم، أو تعديل، فيقوم السمْكري بعمله هذا. ولكن، بما أنه غير كفوء ونصّاب، وبما أن البيت غير قابل للإصلاح، وهو لا يستطيع أن يعترف بعدم جدارته، وإلا فقَد مصدر لقمة عيشه، فما عليه غير النصْب على من عهد له تلك الأعمال. فتكون النتيجة، مرْوحة متنوّعة من الإخفاقات. فهو يبرع في لعبة الوقت، يمرّره، يراوغ، يراوح، ويغشّ في جميع الحالات .. 

المؤكّد أن المستقبل اللبناني لن يكرّر ماضيه "الفَيْنيقي"، المنْبعث من رماد. وهذا الماضي ليس هو مولّد ذاك المستقبل.

الصمت مثل آخر، أو ادّعاء الجهل المقرون طبعاً بالبراءة، على حافّة البلاهة. وهذه طريقة "تصليح" مكرّرة لدى الحلفاء والخصوم بين أهل السلطة. "لا يعرف"، "ليته عرف"، غيره "يعرف". "لا أعرف...": جملة تتوزّع بين "الأقطاب" جميعاً، سواء بالنطق، بالكلام المبطّن. وأعلى درجاتهما الصمت البَواح. انتشار قوات حفظ السلام الدولية في بيروت، الباخرة المريبة جاغوار أراس، الشاردة في المياه الإقليمية اللبنانية، لا بل انفجار المرفأ نفسه، وما تبعه من نيران .. جميعهم يقابلهم الصمت. أحدهم كان صمته مجلْجلا. في خطاب له، كان مطلوبا منه أن يقول رأيه حول أهم حدث سياسي يعرفه لبنان اليوم، يطاوله قبل غيره. هو الذي أدمى لبنان بـ"مقاومة ضد العدو": أعني بداية "مفاوضات الإطار" بين لبنان وإسرائيل. فاجأ الجميع، بعيد إقرارها، هو الذي يقطِّر سياسة، هو المقدّس، الأصولي، المؤمن بأن الدين والسياسة شيء واحد .. فاجأهم بأنه ليس مهتماً بالسياسة، ولن يتكّلم عنها هذه الليلة. فقط سينكبّ على المناسبة الدينية. ولكن إعلامه الوفي يحاول أن يردم الهوة الناجمة عن "تسْكيج" كهذا، ويقع بأوسع منها. فهو إذ يصمت عن فحوى هذه المفاوضات لا "يحتجّ" عليها، إلا من جانبها "التقني"، فلكي لا يخسر نفسه هو الآخر، بعد رحلةٍ طويلةٍ في وعود "تدمير إسرائيل"، وفي العداء لها "إلى الأبد" .. يرى اليوم أن هذه المفاوضات يجب أن يطغى عليها الجانب "التقني"، لا السياسي. لا يريد لهذه المفاوضات أن تكون "سياسية"، إنما "تقنية" بحتة، فالجانب الإسرائيلي بالغ برأيه، في "تسييس" هذه المفاوضات، بأن أدخل اليها مسؤولين إسرائيليين كبارا. فيما هي لا تحتاج إلى أكثر من مدراء عامين وضباط كبار أو ديبلوماسيين منْسيين. لا وزراء ومسؤولين كبار كما تريد إسرائيل. ومثل السمْكري الفاشل النصّاب الذي لا يرى أنه أخفق في تصليحاته القديمة، يسكت هذا الإعلام، بإصراره على "تقنية" هذه المفاوضات .. ينسى نفسه، يُسكت صوته القديم، يتحايل على ترميماته الخائبة بمزيد من التغطية عليها، كما في "التسْكيج". منذ متى كانت أية شعرة، أية كلمة، أية حادثة قادمة من إسرائيل تخلو من السياسة لدى هذا الإعلام؟ منذ متى كان الوسْواس الإسرائيلي مجرّد مسألة "تقنية"؟ لا دخل للسياسة به؟

خذْ أخيراً. في البرلمان، "التسْكيج" السمْكري هنا من النوع المنوط به تشريع القوانين: وسط المصائب التي تعصف بحياة اللبنانيين، وفي حمّى هذيانهم لإنقاذ بيتهم من سقوطه فوق رؤوسهم .. بماذا ينشط نواب لبنان؟ بتقوية بعضهم ضد بعض. بالمطالبة بـ"دولة مدنية"، لن ترفع، في حال تحقيقها، أي واحد منهم إلى فوق، حيث يسكنون. دولةٌ لن تتحقق من دون إسقاطهم. فكيف لطائفي، مذهبي، حتى العظم، أن يلغي نفسه بهذه الطريقة الصريحة؟ وكيف لا يدرك أنه يفتعل السذاجة، وأن من حوله لم يلحظ، ولا مرة، ذاك الافتعال؟ 

النيران تشكّل خطراً على أهل السلطة المتحصنين خلف معاقلهم، إنها أيضاً توسعية، تخترق تلك المعاقل، تكْتسحها

معطوفا عليه، تحت قبة البرلمان نفسه، "تسكيج" آخر يسعفهم من التلاعب بـ"الدولة المدنية"، بعدما استُهلكت. هناك قوانين انتخابية يجب أن تصحَّح، يدّعون: إنها القوانين الانتخابية التي اقترحتها لجان البرلمان المشتركة. وكانت وحدها كفيلة بخلق "نقزة" مسيحية غير مفاجئة، على أساس أخذها بالأكثرية العددية. ألم يكونوا يتوقعونها؟ بلى. ولكن ماذا تفعل عندما تكون سمْكرياً فاشلاً ونصاباً، يقوم شغلك على تقطيع الوقت، وعلى "التسْكيج"؟ 

النيران سيدوم اشتعالها. ولن يتمكّن السمْكرية خلف حصونهم من حماية أنفسهم منها. سوف تطاولهم يوماً ما. حتى لو تواطأ "المجتمع الدولي" معهم على فسادهم وخيبتهم. بعدما وافقوا، بكل أطيافهم، على التفاوض مع إسرائيل. ولعلّ نيران المرفأ هي الصدمة التأسيسية التي خرَّبت عليهم أزليتهم في الحكم، احترامهم، شرعيتهم. وما النيران اللاحقة عليها، ومهما كان فاعلها، وليس بالتأكيد "عامل لحام سوريا".. إلا صدمات ارتدادية، يبعثها عويل نظام يحتضر، يلفظ نفَسه الذي يتمسّك بألا يكون الأخير. وحدها أعمال السمْكري الفاشل النصّاب تمنحه أوهام تأخير أجَله، فـ"التسكيج" اختراع عبقري.