حقائق تغيّبها تبجّحات إسرائيل

حقائق تغيّبها تبجّحات إسرائيل

07 فبراير 2024
+ الخط -

مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة تزداد التقييمات في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تحاول تسليط الضوء على حقائق صارخة، تُغيّبها التبجّحات التي تسم التصريحات والمواقف الرسمية للمسؤولين في المؤسّستين السياسية والأمنية، وتعكس تأويلات لا أكثر، أو تعكس عدميّة إبستمولوجية تغذّي العدمية الأخلاقيّة، بموجب تعابير أوساط أكاديمية محدودة.

لعلّ أهم هذه الحقائق اثنتان: الأولى عدم تمكّن الجيش الإسرائيلي من فرض سيطرته التامة على أي من مناطق قطاع غزّة بما في ذلك منطقة الشمال كما ادعّى ولا يزال، بالرغم من دخول الحرب شهرها الخامس. ووفقًا لآخر مقاربات حتى المحلّل العسكري لصحيفة يسرائيل هيوم اليمينية، التي تروّج سياسة بنيامين نتنياهو، فإن الجيش الإسرائيلي يمارس ضغوطاً قاسية على حركة حماس في خانيونس، ولكنه لا ينجح في استهداف كبار قادتها. كذلك يعمل الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة في مناطق شمال قطاع غزّة، ولكن "حماس" عادت إلى إظهار مؤشّرات حوكمة جديدة في هذه المناطق، ناهيك عن أنه لم تتم بعد معالجة قضيتي رفح ومحور فيلادلفيا الحدودي مع مصر، ما يعني أن استكمال أهداف الحرب ما زال بعيداً للغاية.

ثاني تلك الحقائق أن تحقيق انتصار على المقاومة الفلسطينية في القطاع بواسطة القوة الهائلة التي في حيازة إسرائيل، وهي قوة غير مشكوك فيها بتاتاً، يعتبر ضرباً من الخيال. ومن آخر النماذج على هذا الحكم ما بدر عن الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، اللواء احتياط أوري ساغي، في سياق مقال نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 4/2/2024، بعنوان "ليس بالقوة وحدها"، خلص فيه إلى أن القوة ليست كل شيء. وكذلك ما أكّده المسؤول السابق في جهاز الأمن العام (الشاباك) وعضو الكنيست السابق من حزب الليكود إيهود ياتوم، ضمن مقال في صحيفة معاريف يوم 5/2/2024، شدّد فيه على استحالة تحقيق انتصار بواسطة القوة العسكريّة فقط. وبطبيعة الحال، لا تصدر مثل هذه المواقف عن هذيْن المسؤوليْن الأمنييْن السابقيْن، ومثلهما كثر، من منطلق معارضة الحرب أو مناهضة الاحتلال وتأييد القضية الفلسطينية... إلخ، ولكنها تعبّر عن ازدراء التصريحات المتواترة التي تصدُر عن القادة السياسيين والعسكريين بشأن الانتصار، ناهيك عن أنها تعكس الأزمة التي تحيق بالعمليات العسكريّة الإسرائيلية في القطاع، والعلاقة غير الواقعية بين سير تلك العمليات والأهداف التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية للحرب ولا تزال تصرّ على تحقيقها. ولا بُدّ من إضافة أنها تنطوي في العمق على إقرار بقدرات المقاومة ومقدراتها.

بيد أن متابع الشأن الإسرائيلي في صلب هذه التقييمات يلمس محاولة لصوغ مبرّرات لعدم الانتصار هذا الذي بات يرتسم في أفق الحرب المتواصلة، وفي مقدّمها المبرّر المتعلق بموضوعي رفح ومحور فيلادلفيا. فمنذ عدة أيام، تروّج أبواق رئيس الحكومة بأنه لا يمكن تحقيق انتصار على "حماس" واستعادة الأسرى في غزّة من دون معالجة محور فيلادلفيا على وجه الخصوص، وتردّد ادّعاءً فحواه أن عدم احتلال هذا المحور مباشرة مع بداية المناورة البرّية كان بمثابة خطأ فادح. كما تجاهر بأن الفائدة من احتلال المحور الحدودي معروفة، وقد طُرح الموضوع أكثر من مرّة في وسائل الإعلام، فعن طريقه يتدفق السلاح الذي عاظم القدرة العسكرية لحماس من الأراضي المصرية إلى قطاع غزة، حتى ولو يتردّد أن أغلبية السلاح الذي تستخدمه المقاومة صُنع داخل القطاع. ومثلما كتب أخيرًا أحد أبرز أبواق نتنياهو، وهو أمنون لورد، كبير المعلقين في صحيفة يسرائيل هيوم، فمن الواضح أن الصواريخ الروسيّة المضادة للدروع بمختلف أنواعها وصلت بواسطة التهريب تحت الأرض من الأراضي المصرية، عبر الأنفاق أو بوسائل أُخرى عن طريق محور فيلادلفيا. وبرأيه، ما من شك في أنه من أجل وقف عمليات التهريب إلى "حماس"، ومنْع تعاظُم قوتها العسكرية من جديد بعد انتقال قطاع غزّة إلى مرحلة إعادة الإعمار، يجب السيطرة على المحور المذكور.