تونس ولبنان عندما يتشابهان

تونس ولبنان عندما يتشابهان

30 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

يعيش كلّ من لبنان وتونس أزمات كبيرة وخطيرة، تنذر بخروج الأمور عن إطار السيطرة إلى مهاوي المجهول. وتكاد أزمات البلدين تكون متشابهةً أو متطابقةً إلى حدود كبيرة وكثيرة، على الرغم من أنّ الفاعلين في البلدين مختلفون، غير أنّ العقلية التي تدير الأمور تتشابه فيما بينها، والمنهجية تكاد تكون واحدة، والخلفية التي يجري من خلالها أو بدافعها التحرّك ربما هي ذاتها. يعاني لبنان من أزمة اقتصادية معيشية خانقة، جعلت الليرة اللبنانية تفقد حوالي 90% من قيمتها أمام العملات الأجنبية ومن قدرتها الشرائية، ما خلّف مشكلاتٍ كثيرة وعديدة في قطاعات المحروقات والكهرباء والدواء وما يتصل بها، وسحقت الطبقة الوسطى في لبنان، وحوّلت معظم اللبنانيين إلى الطبقة الفقيرة أو المُعْدمة، وذلك كله بسبب السياسات الاقتصادية المتبعة، والفساد المستشري على أكثر من مستوى، والنظام السياسي القائم على منطق المحاصصة الطائفية والسياسية. وقبل ذلك وبعده منطق الإقصاء ومحاولات الاستئثار بكامل السلطة وتهميش القوى المنافسة، بغض النظر عن منطوق الدستور اللبناني الذي أرسى نوعاً من التوازن بين مكوّنات البلد، ووزّع السلطة بين مؤسّسات عديدة، حتى لا تطغى واحدة على الأخرى، في نظام ديمقراطي برلماني يفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، غير أنّ منطق الاستئثار الذي طغى في عهد الرئيس الحالي للجمهورية، ميشال عون، ومحاولة التحكّم بكل مفاصل السلطة، كما بدا وظهر جليّاً خلال محاولات تشكيل الحكومة، والتي دفعت سعد الحريري إلى الاعتذار عن التشكيل، كشفت أنّ لبّ المشكلة في البلد يكمن في محاولات الهيمنة على السلطة، واعتماد نظام أحادي يتحكّم فيه شخص واحد على رأس هرم السلطة. ولا نريد أن نهمل أو ننسى الحصار المضروب على البلد خارجياً، تحت عنوان حجب المساعدات المالية، إلا في حال الولوج في تنفيذ إصلاحاتٍ هي أقرب إلى دفتر شروط منها إلى الإصلاحات، ولعلّ الهدف من ذلك إخضاع البلد وإدخاله في سياق السياسات التي تُعدّ وتُرسم لكل المنطقة، في إطار إعادة ترسيم المنطقة.

كأنّ من يريد أن يحتكر السلطة في لبنان ومن يعمل على احتكار السلطة في تونس ينهلان من منهل واحد، ويقرآن في كتاب واحد

تعاني تونس من ضائقة معيشية اقتصادية جرّاء الفساد وغيره، وبسبب السياسات المتبعة من بعض أطراف السلطة وأركانها، والتي تحاول إقصاء الأطراف الأخرى عن العملية السياسية والمشهد السياسي. كما تعاني تونس من حصار متعمّد وغير معلن، تُمنع فيه المساعدات عن الحكومة التونسية، ويُترك الناس يتضوّرون جوعاً وعطشاً لإظهار فشل القوى السياسية التي تدير المشهد السياسي التونسي بعد ثورة الربيع العربي، كما وأنّ تلك القوى باتت ملاحقة ويُمارس عليها نوع من"الإرهاب" و"الشيطنة" لثني الناس عن الالتفاف حولها والسير معها في طريق نهضة تونس وبناء مستقبلها، انطلاقاً من المسار الديمقراطي الذي اختطته لنفسها بعد الثورة، وأرسى في تونس نظاماً ديمقراطياً برلمانياً، وقد كان المشهد الذي تمثّل، أخيرا، بالمحاولة الانقلابية التي عملت وما تزال على إقصاء القوى السياسية والنيابية التونسية، واحتكار السلطة وتجميعها بيد الرئيس فحسب، كان هذا المشهد أبلغ دليل على منطق الاستحواذ والاحتكار والإقصاء، وهو المنطق والمنهج ذاته الذي يعاني منه لبنان. وكأنّ من يريد أن يحتكر السلطة في لبنان ومن يعمل على احتكار السلطة في تونس ينهلان من منهل واحد، ويقرآن في كتاب واحد، ويتلقّيان الدعم المباشر أو غير المباشر من الجهات التي تريد أن تحاصر كلا البلدين وتستأثر بخيراتهما وتقصي القوى الحيّة فيهما، وصولاً إلى إخضاعهما كجزء من إخضاع المنطقة برمتها، لمشروعٍ يريد أن يظلّ متحكّماً بالمنطقة، ويعيد تجديد سيطرته عليها مائة سنة مقبلة، وإنْ بطرق مختلفة عن الطرق القائمة أو التي اعتُمِدت خلال العقود الأخيرة.

غير أنّ أكثر ما يزعج أو يثير الغضب والحيرة والاستهجان أنّ الواجهات التي تتصدّى للمشهد تحت عنوان الإصلاح تارة، وبناء الدولة تارّة أخرى، واحترام القوانين والدساتير في أغلب الأحيان، هي أكثر الواجهات ميلاً إلى الفساد وخرقاً لمنطق الدولة والدساتير والقوانين، وعملاً من أجل استعادة النظام الآحادي المستبد الذي لم تعرف الناس كيف تخلّصت منه بعد. وما يدهش أكثر أنّ كل ما يجري يكون، في غالب الأحيان، لصالح قوى خارجية لا تضمر لأوطاننا أيّ خير، سوى الاستحواذ على خيراتها ونهبها، في حين لا تكون تلك الواجهات سوى دمى متحرّكة في أجندات اللاعبين الكبار.