تونس .. أزمة ثورة أم نهاية مرحلة؟

تونس .. أزمة ثورة أم نهاية مرحلة؟

22 ديسمبر 2021
+ الخط -

في ذكراها العاشرة، تمر الثورة التونسية بواحدةٍ من أشد أزماتها. وللمرة الأولى، لم يعد السؤال متعلقا بمسار الثورة وإنما بمصيرها. ولم يعد الحوار عن الانتقال الديمقراطي وسبل تحقيق أهداف الثورة، وإنما عن انتكاسة تعيد المشهد إلى زمن ما قبل الثورة.

لم تعرف تونس، منذ نجاح ثورتها، أزمة سياسية بهذه الحدّة. وعلى الرغم من أن منعطفات مسارها الديمقراطي لم تخل من هزّات وانعطافات وصراعات، إلا أنها كانت تنتهي دوما بتطويقها من خلال حوار وطني شامل، وتنظيم انتخاباتٍ تعيد الخيار للمواطن من خلال صناديق الانتخاب، غير أن ما حصل منذ 25 جويلية (يوليو/ تموز) الماضي تجاوز حالة الصراع ضمن حدود المتفق عليه سياسيا، ليعيد طرح السؤال بشأن مراجعة الدستور والبرلمان والهيئات الوطنية، وإجمالا الهيكل السياسي للدولة برمّته، ففي وضع سياسي يتسم بالتوتر والغموض، لم يعد المواطن التونسي مدركا مآلات الصراع السياسي.

قد يعدّل تغيير الدستور الحالي التوازنات السياسية، أو يفتح المجال أمام أشكالٍ من الصراع السياسي، ولكنه قطعا ليس حلا للمشكلات الحياتية للناس

أصبحت كل أوراق القرار السياسي بيد رئيس الجمهورية الذي يحكم البلاد بالمراسيم، ويستند إلى دستور مصغّر، أعلن عنه في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي، ويحيل إلى إيقاف العمل بكل مخرجات دستور 2014، وانتهاء بالإعلان عن بدء الإعداد لوضع نظام دستوري وقانوني جديد يمهد لانتخابات برلمانية مبكرة. وعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية ما فتئ يؤكد أن قراراته هي استمرار لثورة 14 جانفي (يناير/ كانون الثاني) التي يعتقد أن السياسيين قد سطوا عليها، إلا أن من الصعب استيعاب فكرة كيف يمكن إعادة بناء نظام سياسي برمته من دون مشاركة أوسع طيفٍ ممكنٍ من الشعب والشارع السياسي والخبراء والمنظّمات الاجتماعية والهيئات الوطنية. أما فكرة وضع منصّات إلكترونية يعبر من خلالها المواطنون عن آرائهم ورغباتهم في ما يمكن أن يتضمنه الدستور المقبل، فإنه يبدو تصوّرا يفتقر إلى الواقعية، بالنظر إلى صعوبة اعتماد مواقع إلكترونية مصدرا لفهم توجهات الرأي العام، ولسهولة التحكّم في هذه المنصّات، وتوجيهها إلى خدمة تصوّر معين وحجب توجهات أخرى، لأن مثل هذه المنصّات تخضع، في النهاية، لتحكم من يديرها ويقف وراءها.

لم تكن مشكلة تونس يوما في دستورها، حتى وإن كان لا يخلو من هنات، ويعتريه ضعف وتناقض في بعض الأحيان، إلا أن جوهره القائم على احترام الحقوق وتقديس حرية الضمير وإعلاء قيمة المواطن كانت الهدف الأسمى لدستور 2014 الذي شاركت في صياغته كل الأطراف السياسية والمشارب الأيديولوجية والمنظمات الاجتماعية. ولم يكن يوما دستورا معبّرا عن رغبة فرد أو جماعة أو حزب أو فئة محددة. ولهذا لم يكن مطروحا قبل هذه المرحلة أن يكون الدستور هو محور النزاع، وإنما كانت النزاعات تتعلق بالقانون الانتخابي، واستكمال الهيئات الدستورية، فيما تركّزت الأزمة الفعلية في الجانبين، الاقتصادي والاجتماعي. ولهذا قد يعدّل تغيير الدستور الحالي التوازنات السياسية، أو يفتح المجال أمام أشكالٍ من الصراع السياسي، ولكنه قطعا ليس حلا للمشكلات الحياتية للناس، كما تتجلّى في مشكلات البطالة والتفاوت بين الجهات وارتفاع الأسعار وغياب الشفافية وفشل الحوكمة الرشيدة.

منذ إيقاف المسار الديمقراطي، تضاعفت الأزمة الاجتماعية، واحتدّ المشكل الاقتصادي

يقتضي إيجاد الحلول الناجعة حُسن تشخيص الأزمات، وليس غض النظر عنها وتصديرها، فالاحتقان الاجتماعي ما زال قائما، وهو الذي كشف فشل النخبة السياسية التي تداولت على السلطة بعد الثورة، وحالة الجشع التي أصابت كثيرين من رموزها، وكانت مدخلا لما يجرى في الفترة الحالية. على الرغم من أن الشارع التونسي قد تمكّن من إطاحة نظام الاستبداد في فترة قياسية (بين 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 و14 يناير/ كانون الثاني 2011)، فقد فشلت الطبقة السياسية في فهم المطلوب منها بعد نجاح الثورة، ودخلت في حمّى الصراع على السلطة والتحريض المتبادل وغلبة الحقد الأيديولوجي إلى حد تبرير الانقلاب على المسار الديمقراطي، بل والدعوة إليه صراحةً، كما تجلى في خطابات أحزابٍ استفادت من الديمقراطية للوصول إلى البرلمان، ولكنها لا تخجل من إيجاد المبرّرات لتأييد القرارات التي جمّدت المسار برمّته الصائفة الماضية.

فشل الطبقة السياسية في إدارة اختلافها الحزبي والأيديولوجي، بالإضافة إلى هيمنة القوى المناهضة للثورة من بقايا النظام السابق على المشهد الإعلامي وعلى المؤسسات الرسمية والجهاز الإداري للدولة، جعلا من تحقيق أهداف الثورة أمرا عسيرا، خصوصا في المجالات التي كانت تتصدّر شعارات المحتجّين شتاء 2011، أي قضايا التشغيل والمشكلات الاقتصادية. ولعب الإعلام الذي كان امتدادا لنظام الاستبداد، دورا سلبيا في تعبئة الرأي العام والتحشيد ضد الثورة، بما جعل جانبا من الشعب يعتقد أن حل المشكل الاقتصادي والاجتماعي يكمن في النكوص عن الثورة، غير أن التجربة كشفت، وبسرعة لافتة، أنه منذ الإعلان عن إيقاف المسار الديمقراطي، تضاعفت الأزمة الاجتماعية، واحتد المشكل الاقتصادي، وهو ما ينذر بعودة البلاد إلى نقطة الصفر، أي شارع غاضب وسلطة بصدد بحث مشكلاتها السياسية.