تمهيد أوروبي لاستحقاق فرنسي

تمهيد أوروبي لاستحقاق فرنسي

12 ديسمبر 2021
+ الخط -

بعد مرور 13 عاماً على آخر مرّة ترأسّت فيها فرنسا مجلس الاتحاد الأوروبي، وهي رئاسةٌ تدور على أعضاء الاتحاد السبعة والعشرين، تعود باريس، في بداية العام المقبل، لترؤس المجلس في مرحلة معقدة، تشهد تطوّرات أوروبية وفرنسية متلاحقة. كما أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية ستجري في الشهر الرابع من العام المقبل، أي أن رئاسة فرنسا المجلس ستصادف أوج مراحل الحملة الانتخابية للمنصب الرئاسي. وعلى الرغم من عدم إعلانه رسمياً ترشيح نفسه مجدّداً، إلا أن الرئيس ماكرون يقترب من التصريح بذلك، سعياً إلى الوصول إلى ولاية رئاسية ثانية.
لقد اختارت الدولة الفرنسية شعاراً طموحاً ليرافقها في فترة رئاستها مجلس الاتحاد الأوروبي، والذي تسعى، من خلال التصريح به، إلى وضع إطارٍ لمسار النشاط السياسي الذي تنوي العمل به في الفترة المنصوص عليها، وهو يتألف من العبارات الدلالية التالية: الانتعاش الاقتصادي، القوة والانتماء، إذ يراهن قصر الإليزيه على أن يجعل من تربّعه فترةً قصيرةً نسبياً، لا تتعدّى الأشهر الستة، في منصب الرئاسة الاتحادية، على تسريع إنجاز المشاريع الأوروبية القائمة من جهة، ومن جهة أخرى، السير في طرح مشاريع طموحة جديدة ليتم تبنّيها من الدول الأعضاء. ومؤكّد أن باريس لن تشهد خواتيم ما ستطرحه من مشاريع ومن سياسات ومن قوانين، وهي متربّعة على سدّة الرئاسة، ولكنها، وبواقعية سياسية، تعزّي النفس بإقناع الأعضاء الآخرين بتبنّيها في أقل تقدير كما، وإطلاق العمل بخطواتها التأسيسية في مسارٍ سيطول حتماً.

يخشى ماكرون من الاستمرار في تعزيز عوامل ضعف المشروع الأوروبي الذي تعرّض لنكسات كان آخرها انسحاب بريطانيا منه

لقد اقترح بعض المقرّبين سياسياً، وحتى شخصياً، من الرئيس ماكرون، أن يتبادل دور الرئاسة هذا مع الدولة التي ستلي فرنسا في الرئاسة، وهي التشيك. وجاء الاقتراح في معرض الخشية من تشتيت جهوده كما وجهود فريقه المقرّب منه بين العمل على التركيز في الشأن الاتحادي أو العمل على التركيز في الشأن الداخلي، وخصوصاً في مرحلة حسّاسة وحاسمة تقع على أبواب الانتخابات الرئاسية. وانتخابات إبريل/ نيسان المقبل يتنافس فيها عدد لا بأس به من المرشّحين في ظل تفتت اليسار وتضاعف التطرّف اليميني. ولدى اليمين المتطرّف، إن تحالف مع اليمين الجمهوري، إذ لا تتباعد مواقفهم السياسية الداخلية بوضوح، الإمكانية في تعزيز فرصهم لتشكيل خطر ضاغط على استمرار احتفاظ ماكرون بمفاتيح قصر الإليزيه لولاية جديدة. وقد جاء الرفض جلياً من الرئيس الفرنسي لهذا الاقتراح وبثقة كبيرة، إذ اعتبر أنّ الدور الأوروبي لفرنسا جزء أساسي من سياساتها المتميّزة، ومن فاعلية دبلوماسيتها التي يقودها القصر الرئاسي، بموازاة عمل مجلس الوزراء خصوصاً، بموازاة وبتجاوز عمل وزارة الخارجية، وذلك كما ينصّ عليه التقليد السياسي المعمول به في الجمهورية الفرنسية الخامسة.
يخشى ماكرون من الاستمرار في تعزيز عوامل ضعف المشروع الأوروبي الذي تعرّض لنكسات كان آخرها انسحاب بريطانيا منه، وخصوصاً أن فرنسا تصدّت ـ الى جانب المانيا ـ لقيادته منذ عقود بإيمان استراتيجي مستدام. والرئيس الفرنسي يخشى أيضا، داخل فرنسا كما في بقية دول الاتحاد، من تراجع الشعور بالانتماء إلى هذا المشروع الطموح والذي كان حتى فترة قريبة قدوة في مشاريع التعاون الإقليمي الناجحة.
وفي إطار سعي فرنسا إلى إنجاح رئاستها، أجرت الإدارة الفرنسية مباحثاتٍ مكثفة مع كل من جمهورية التشيك ومملكة السويد، وهما البلدان اللذان سيشغلان الرئاسة بعدها، كي تحقق للمشاريع نوعاً من الاستمرارية، مع أن لدى كل بلد رئيس أولوياتٌ يقدّمها على أولويات البلدان الأخرى، وربما تتلاقى معها في بعض المحاور. وسيترتب على الدبلوماسية الفرنسية، وخصوصاً ممثليها في بروكسل، أن يضعوا في مقدّمة أولوياتهم موقف باريس بخصوص كل ملفٍّ تتم معالجته. في المقابل، عليهم أيضاً الأخذ بالاعتبار مواقف عواصم الدول الأعضاء الأخرى، سعياً إلى التوصل الى نتائج توافقية.

فشلت باريس في إدارة ملفات عديدة متشابكة، بدءًا من لبنان ومرورا بليبيا، وليس انتهاءً في تركيا، وذلك لأسباب وعوامل متنوعة

التمسّك بتأمين الدور الرئاسي الأوروبي على أبواب الاستحقاق الرئاسي الفرنسي يبدو كأنه محسوب بدقة، خصوصا في الأشهر الأخيرة من فترةٍ رئاسيةٍ لم تشهد نجاحاتٍ دبلوماسيةً تُذكر. لقد فشلت باريس في إدارة ملفات عديدة متشابكة، بدءًا من لبنان ومرورا بليبيا، وليس انتهاءً في تركيا، وذلك لأسباب وعوامل متنوعة، يتداخل فيها الظرفي والموضوعي. كما تواجه أوروبا قيصراً روسياً طموحاً، سعى من خلال علاقات متميزة مع بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى إضعاف مؤسساته، وتشكيل خطر شبه عسكري على بعض حدوده، وعزّز مقدّرات بعض الجماعات الانفصالية في الداخل الأوروبي، وهو يهدّد الآن دولة أوروبية ليست عضوا في الاتحاد، وإنما تميل سياسياً إلى التحالف معه، أوكرانيا. وستحاول باريس، من خلال تبنّي الواقعية السياسية، محاولة طرح تحسين الموقع الدبلوماسي الأوروبي في ملفاتٍ عدّة.
خلال رئاستها مجلس الاتحاد الأوروبي، ستسعى باريس إلى إرضاء اليمين الفرنسي بتعزيز الرقابة على حدود الاتحاد بديلاً عن دعوة المتطرّفين إلى تعزيز الحدود الوطنية. وفي المحصلة، ستُشكل الرئاسة الفرنسية للاتحاد دعامةً أساسية لتعزيز حظوظ ماكرون الانتخابية، لناحية أنّها تمهيد أوروبي لاستحقاق فرنسي.