تطبيع يوقف الاستيطان ومقاومةٌ تفقدنا التضامن!

تطبيع يوقف الاستيطان ومقاومةٌ تفقدنا التضامن!

01 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

كان من منطلقات التطبيع العربي، الذي تصاعد مع اتفاقية أبراهام بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، أنه جهدٌ يبذله أمراء سلام، لإيقاف الاستيطان وخطط الضم في الأراضي الفلسطينية. وليست هذه الأطروحة اختراعا إماراتيا خالصا، ولكنها أداة قديمة لتطبيع جديد، مع متاجرةٍ مكشوفةٍ بالقضية الفلسطينية، بينما كان تطبيعا السودان والمغرب مرتبطين بملفات محلية، مزيج من وعود وابتزازات. أما البحرين فلا تفصيل في أمرها، وانفصال بين قطاعات شعبية رافضة للتطبيع وتوجهات الحكم فيها، خصوصا بعد انتفاضتها المغدورة.
لم يكن مفاجئا بعد اتفاقات سلام أبراهام أن تتخذ إسرائيل قراراتٍ ببناء مستوطناتٍ جديدة، أو الاستيلاء على مناطق عربية، فنتائج تطبيع اليوم لا تختلف كثيرا عن حصيلةٍ تاريخيةٍ لتطبيع ما بعد "أوسلو"، ومع كل مساحةٍ تكسبها إسرائيل دبلوماسيا، عبر مد خطوط التماس والتعاون مع دولة عربية، رسميا أو تحت الطاولة، يمتد الاستيطان، وتتقلص مساحات الوجود الفلسطيني، بل تتأسّس مشروعاتٌ جديدةٌ تكرّس لعنصرية دولة الاحتلال، كقانون الدولة القومية المعروف بيهودية الدولة، ومخطّطات عزل الوجود العربي، وتقليصه في الأراضي المحتلة، عبر التهجير القسري، هدم المنازل والاستيلاء عليها، ومنع التواصل بين السكان عبر الحواجز. ولم تكن وقائع الاستيلاء على منازل سكان حي الشيخ جرّاح في القدس أخيرا سوى حالة من مئات الحالات، في القدس والخليل والبيرة وغيرها من مناطق يسيطر عليها الاحتلال، بعضها يتخذ شكل نزاع قانوني، كما حالة "الشيخ جرّاح" منذ عشرين عاما، ويتم عبر إسناد أمني وعصابات المستوطنين والسماسرة.

شعار "التطبيع من أجل وقف الاستيطان" يعد تراجعا عن شعار "السلام مقابل الأرض"

كانت المراهنة على وقف الاستيطان بشق قنوات التطبيع، وتمرير إسرائيل في وادي النيل، وشمال أفريقيا، وعبورها إلى الخليج العربي، خداعًا ممنهجا، يخفى أغراضا مختلفة في تفاصيلها، مشتركة في جذورها وغايتها النهائية، تثبيت نظم موجة التطبيع الثالثة ودعمها، عبر بناء تحالفاتٍ مع دولة الاحتلال، تستوعبها وتدمجها في المنطقة، ولم تحتج الصفقة "التطبيع مقابل وقف الاستيطان" لاختبارات التحقق من صدقها، فبعض دول تدّعي بذل جهودا لوقف تمدّد المستوطنات يستورد منتجات المستوطنات، بل رصدت الإمارات 10 مليارات دولار للاستثمار في إسرائيل، واشترت فعليا حصةً في حقل غاز تمارا بما يجاوز مليار دولار (استهدفته المقاومة). ومقابل هذا السخاء الذي يشتري ود إسرائيل، لم تعد الأخيرة شركاءها بوقف الاستيطان، وإنما أجلت خططها، وحتى وعد التأجيل لم يتحقق.
تغرق إسرائيل أوهام المطبعين ليس فحسب ببناء مستوطناتٍ جديدة بعد الاتفاق بشهرين، لكن تظهر وحشيتها في حربٍ عدوانيةٍ تالية على اقتحام المسجد الأقصى، سبقتها مواجهات في مدن عدة بالأراضي المحتلة. وبعد العدوان أخيرا، لم يعد هناك مجال بأن يتخذ التطبيع موقع التبرير أو يجمّل الصفقة، وان كانت دعاوى التطبيع وأوهامه تاريخيا لا تستطيع الإقناع بأن دولةً تأسّست على عنصرية واستيطان يمكن أن تحدّ من سياساتها من دون إجبار، ولا ينتظر أن تحرّر إرادة الفلسطينيين، وتقام دولة مستقلة على حدود 1967، من دون معارك تجسّد المقاومة مرتكزها الأساسي. أما شعار "التطبيع من أجل وقف الاستيطان" فيعد تراجعا عن شعار "السلام مقابل الأرض"، لأن الأخير كان يحتوي ضمنيا خيار المقاومة والتعبئة الشعبية داخل فلسطين وخارجها طريقا للتحرير، وليس من العيب هنا التذكير ببديهيات أنه لا إمكانية لتسوية سياسية عبر مفاوضات، من دون أدوات ضغط، وأن المقاومة حق مشروع، ولم ينته احتلالٌ من دونها.

تضيف الموجة الحالية من اتفاقات السلام لإسرائيل، مكاسب تمنحها قدراتٍ توسّعية خارج جغرافيا فلسطين وداخلها

مستفز أيضا أن يرتدي منهج الاستسلام عند المطبّعين ثوب العقلانية، ليحدّثك عن فشل خيار المقاومة لعدم تكافؤ الفرص، أو تكرار أكاذيب بشأن استفزاز المقاومة (حركة حماس) إسرائيل، وسعيها إلى مكاسب ضيقة على حساب دماء الفلسطينيين، وكأن الفلسطينيين ليسوا في مواجهة حرب، وليس لهم سبيل غير السير خلف طابور المطبّعين، وفي مفاوضات ليسوا شركاء فيها أصلا، فضلا عن خبراتهم الطويلة بعد "كامب ديفيد" ومشروعات التسوية، والتي يجسّد الواقع تفاصيلها، لم تنفذ إسرائيل من بنود أي اتفاق، غير ما يحقق مصالحها، عزلت غزّة لتتخلص منها، تدير الضفة الغربية عبر التنسيق الأمني، وتضمن ارتباطها والتحكّم فيها عبر اتجاهين، ربطها خدميا واقتصاديا، وتعطيل أي إمكانية لاستقلال حقيقي وقدرة على تطوير الإمكانات وبناء دولة. غزّة محاصرة وفي أوضاع اقتصادية واجتماعية كارثية، والضفة الغربية أشبه بمجلس محلي ملحق بدولة الاحتلال.
تضيف الموجة الحالية من اتفاقات السلام لإسرائيل، مكاسب تمنحها قدراتٍ توسّعية خارج جغرافيا فلسطين وداخلها. ومع هذا المشهد، لا يراد للشعب الفلسطيني أن ينتفض، وأن يقاوم. يطالبك أصحاب خيار التطبيع، من كتاب ومثقفين ملحقين بالنظم ومتسلحين بالتنوير وثقافة السلام والتعايش، بشراء السلام، والكفّ عن العنف ومهاجمة إسرائيل!

ما كان لصمت العالم أن ينكسر، وتنشط الوساطات وتندلع المظاهرات، إلا بمقاومة الفلسطينيين دفاعا عن حقوقهم، سواء داخل الأراضي المحتلة، أو في غزّة

والأخطر من سرديات المطبّعين أنهم ينصّبون أنفسهم متحدثين رسميين باسم الفلسطينيين، يتّخذون لهم القرار ويحدّدون الطريق، يعلنون عبر صحفهم وأحاديثهم التلفزيونية وتغريدات أنه "لا بديل عن الطرق الدبلوماسية والتعايش لتحقيق السلام"، وكأن التطبيع تحول سلاحا جديد، وأداة التسوية، ولا خيارات أخرى بجانبه. وبناء عليه، لا حاجة لأيٍّ من أشكال المقاومة. تكفي جهود رسل التطبيع، ومن أجل إنجاح مهمتهم، يجب نفي خيار المقاومة التي تفقد الفلسطينيين تعاطفا دوليا وعربيا! بينما في الحقيقة، وعبر مراحل الصراع، لم توجد استجابات عربية أو دولية، إلا بدفاع الفلسطينيين عن حقوقهم. وفي الانتفاضتين، الأولى والثانية، وما تلاهما من تعاطف أو ردود أفعال دولية، مثال واضح. وفي الموجة الأخيرة من الحراك المختلف نوعيا وجغرافيا والموسوم بالانتفاضة الثالثة، نموذجٌ دالّ، وما كان لصمت العالم أن ينكسر، وتنشط الوساطات وتندلع المظاهرات، إلا بمقاومة الفلسطينيين دفاعا عن حقوقهم، سواء داخل الأراضي المحتلة، أو في غزّة. والأخيرة، وعلى الرغم من الجراح والألم، قدّر لها أن تعطي دروسا للانهزاميين والمتشوقين للتغيير على حد سواء، وتصوغ، أو تصحّح بمعني أدق، آليات العلاقة بين الاحتلال وأصحاب الأرض، وتؤشّر على معنى المقاومة وأثرها. وفى تفاصيل ما جرى ونتائجه فيضٌ واسع، لن يكتب عنه وحسب، بل سيترجم عمليا، بما فيه من قدرات فصائل المقاومة على إدارة مواردها المحدودة وتوظيفها، وتعاونها وتنسيقها المشترك، ما انعكس على الاستهداف والتخطيط وعمليات جمع المعلومات، وما ينتجه ذلك كله من آثار مباشرة وأخرى بعيدة المدى، غير ما يشعر به الفلسطينيون من استعادة للمكانة والتأثير، واختبار للصمود، ووحدة بين مكونات الشعب الفلسطيني، وغضب عربي تجاه المحتل، ومشروعات التطبيع، والخيارات الانهزامية.

بيّنت الأيام القليلة الماضية أن الخيارات مفتوحة، وإمكانات التأثير عديدة، ويمكن تطوير أدواتها

إجمالا، هناك دروس عدة، منها فضح دعاوى التطبيع مقابل وقف الاستيطان، وما يرتبط بها من سرديات، أن المقاومة تُفقد التعاطف، وتعطّل تحقيق نتائج لصالح القضية الفلسطينية. وعلى عكس ذلك، فرضت إرادة الشعب الفلسطيني وخيار المقاومة معادلات جديدة، وردّت العدوان. وللمنحازين للشعب الفلسطيني أن يفخروا بما جرى، على الرغم من المصاعب والتضحيات.
لقد بيّنت الأيام القليلة الماضية، من خلال تكامل أدوات المقاومة العسكرية والشعبية، أن الخيارات مفتوحة، وإمكانات التأثير عديدة، ويمكن تطوير أدواتها. وعلى الرغم من تواضع الإمكانات والموارد، يمكن تحقيق مكاسب تتراكم مستقبلا، لتنشئ مشهدا جديدا، ينفى سردية الاستسلام والارتهان للأمر الواقع. وأخيرا لنا، كل المواطنين العرب، مساحة من شعور بالكرامة بأن هناك توجهات تخالف المنسحقين أمام إسرائيل خوفا وامتهانا وشوقا.