تدرّج الإعداد في التخلص من الاستبداد

12 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

من الأهمية بمكانٍ أن يشار إلى أن عبد الرحمن الكواكبي، في الفصل الختامي المتعلق بالتخلص من الاستبداد، قد حدّد المثلث الحاكم للقيام بهذه المسألة، باستيفاء شروطه ولوازمه، في مبحث السَّعي في رفع الاستبداد، وحدد تلك القضايا المفصلية في: الأمر الأول يدور حول أن "الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة". وقد أكّد مقال سابق للكاتب على ذلك في المتطلب الأساس بوعي الأمة في امتداداتها وفي كافة أو أغلب قواها. الأمر الثاني يشير إلى "أن الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج". وهو متطلبٌ يتعلق بالأساليب والمناهج القادرة على تحقيق الفاعلية المطلوبة في التخلص من الاستبداد، ورفع كل ما يتعلق به من آثار. أما الأمر الثالث في هذا المثلث فيشترط أنه "يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد".

يذكّر هذا الأمر الذي يذكره الكواكبي، من قاعدة أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة وإنما يُقاوم بالحكمة والتدريج، برأي أحد رأسي مدرسة المعتزلة، عمر بن عبيد، في الثورة، والخروج على الحاكم الذي خرج بسياساته عن حياض الأمة، وعلى مقتضيات دوره وجوهر وظيفته، فتبنى مذهبه "في تمام التمكّن"؛ وكأن الشروط التي أكّدها الكواكبي لم تكن إلا حالة تحقّق حالة التمكّن المفضية إلى التخلّص من الاستبداد جذورا واستمرارا وتحوّلا واستبدالا. "ذلك أن شرط الوعي تربية وترقية، ليس حالةً تتم بين عشية وضحاها، وإنما هو بمثابة استراتيجية ممتدة تربط بين مستويين من الوعي الآني والوعي الممتد كمقدمة للسعي البصير والعمل السديد؛ وهو أمر يتعلق بمسلك الوعي في الإدراك والتفكير، وفي التدبير والتغيير والفاعلية والتأثير في تكامل لقطع دابر الاستبداد لا مظهر ولكن جذورا وجوهرا، وهي معركة النفس الطويل والعمل المتراكم الكبير؛ ويواجه في الميدان الاستبداد الأكبر والأخطر في معركة حقيقية لا معارك جانبية متوهمة مع الأعوان من سدنة المستبد والاستبداد". ومبنى قاعدة أنَّ الاستبداد لا يُقاوم بالشدّة، إنما يُقاوم بالحكمة والتدريج هو: "أنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتّى إلا بالتعليم والتحميس. ثمَّ إنَّ اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه لا يتأتّى إلا في زمنٍ طويل، لأنَّ العوام مهما ترقّوا في الإدراك لا يسمحون باستبدال القشعريرة بالعافية إلا بعد التّروّي المديد، وربما كانوا معذورين في عدم الوثوق والمسارعة؛ لأنَّهم ألِفوا أن لا يتوقعوا من الرؤساء والدُّعاة إلا الغشّ والخداع غالباً. ولهذا كثيراً ما يحبُّ الأُسراء المستبدَّ الأعظم، إذا كان يقهر معهم بالسوية الرؤساء والأشراف، وكثيراً ما ينتقم الأُسراء من الأعوان فقط، ولا يمسّون المستبدَّ بسوء؛ لأنَّهم يرون ظالمهم مباشرةً هم الأعوان دون المستبدِّ، وكم أحرقوا من عاصمة لأجل محضّ التشفّي بإضرار أولئك الأعوان".

يعالج الكواكبي باقتدار معادلة القوة في علاقة الاستبداد بالقوة، احتكارا وممارسةً، وضمن مواجهاتٍ مؤقتةٍ لا تتسم بالاستمرار والتمكّن من التأثير الفعال

ويعالج الكواكبي باقتدار معادلة القوة في علاقة الاستبداد بالقوة، احتكارا وممارسةً، وضمن مواجهاتٍ مؤقتةٍ لا تتسم بالاستمرار والتمكّن من التأثير الفعال، "ثمَّ إنَّ الاستبداد محفوفٌ بأنواعٍ القوات التي فيها قوّة الإرهاب بالعظمة وقوّة الجُند، لا سيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الإلفة على القسوة، وقوّة رجال الدين، وقوّة أهل الثروات، وقوّة الأنصار من الأجانب، فهذه القوات تجعل الاستبداد كالسيف لا يُقابَل بعصا الفكر العام الذي هو في أوَّل نشأته يكون أشبه بغوغاء، ومن طبع الفكر العام أنَّه إذا فار في سنة يغور في سنة، وإذا فار في يوم يغور في يوم. بناءً عليه، يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبان بالحزم والإقدام". ضمن معادلة الاستبداد والعنف واحتكار السلطة مصادر القوة واستخدامها البطش في غير محلها ضمن استراتيجيات الخضوع والترويع والتفزيع "الاستبداد لا ينبغي أن يُقاوَم بالعنف، كي لا تكون فتنةً تحصد الناس حصداً. نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجةً تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمَّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً، وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسَّس يكون بإقامة حكومةٍ لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا علاقة لهم بالفتنة.

وكأن الكواكبي يعالج ظاهرة الثورات متحفظا؛ والفكرة المتعلقة "متى تحدث الثورات؟"؛ ذلك أن "العوامّ لا يثور غضبهم على المستبدِّ غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيِّجة فورية، منها: عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبدُّ على المظلوم يريد الانتقام لناموسه. عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، ولا يتمكَّن من إلصاق عار التغلُّب بخيانة القوّاد. عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهانةً مصحوبةً باستهزاء يستلزم حدَّة العوام. عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير لا يتيسَّر إعطاؤه حتّى على أواسط الناس. في حالة مجاعة أو مصيبة عامّة لا يرى الناس فيها مواساةً ظاهرة من المستبدّ. عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفوري، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب. عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار. عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها.

إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحقّ الحقّ، الانتصار للحقّ، الموت أو بلوغ الحقّ. والمستبدُّ مهما كان غبياً لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً لا يغفل عن اتِّقائها، كما أنَّ هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه.

الثورات ليست فورات أو فعلاً مؤقتاً أو عشوائياً؛ ولكن التغيير عمل ممنهج ومنظم ومخطط

نخبة المستبد وسدنته من الأعوان، ومن خلال ممارساتهم وعلاقتهم بالمستبد، إلى درجة الخداع المسكون بالنفاق، "فإذا وُجِد منهم بعض يريدون له التهلكة يهوِّرونه على الوقوع في إحداها، ويُلصقونها به خلافاً لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. إنَّ رئيس وزراء المستبدِّ أو رئيس قُوَّاده، أو رئيس الدِّين عنده، هم أقدر الناس على الإيقاع به، وهو يداريهم تحذُّراً من ذلك، وإذا أراد إسقاط أحدهم فلا يوقعه إلا بغتة". ذلك أن لمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتّى يسلكونها بالسّرّ، والبطء، يستقرّون تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرةٍ أو بذورٍ يسقونها بدموعهم في الخلوات. وكم يلهون المستبدَّ بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشَّهوات، وكم يغرونه برضاء الأمَّة عنه، ويجسِّرونه على مزيد التشديد، وكم يحملونه على إساءة التدبير، ويكتمونه الرُّشد، وكم يشوِّشون فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه. يفعلون ذلك وأمثاله لأجل غايةٍ واحدة، هي إبعاده عن الانتباه إلى سدِّ الطريق التي فيها يسلكون، أمَّا أعوانه، فلا وسيلة لإغفالهم عن إيقاظه غير تحريك أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا".

ضمن هذه الرؤية في التدريج والشروط اللازمة الضامنة لفاعلية التغيير الحقيقي؛ فالتدريج في التخلص من الاستبداد، أرسخ وأعمق في رسوخه وتمكين أسبابه؛ والثورات ليست فوراتٍ أو فعلا مؤقتا أو عشوائيا؛ ولكن التغيير عمل ممنهج ومنظم ومخطط؛ وفي رأينا فإن الكواكبي يحمل رؤية ناضجة للتغيير والثورات.