تجديد دم الطائفية السياسية في لبنان

تجديد دم الطائفية السياسية في لبنان

22 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا يمكن فصل حادثة منطقة الطيونة في بيروت التي شهدت قبل أيامٍ مواجهاتٍ بالأسلحة بين أنصار حزب الله وحركة أمل، من جهة، وحزب القوات اللبنانية، من جهة أخرى، عن أهم وأخطر حادثين شهدهما لبنان في السنتين الماضيتين، وهما انتفاضة 17 تشرين، 2019، وحادثة تفجير المرفأ في 4 أغسطس/ آب 2020. إذ تشير الوقائع إلى انفضاض عدد كبير من أبناء الطوائف عن زعمائهم بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد من سنوات، ومسؤولية هؤلاء الزعماء عنها وفشلهم في تقديم حلول لها وبدائل لأنصارهم، ثم بحثهم عن سبلٍ لإعادة الأولاد الضالّين إلى قمقم الطوائف عبر حوادث تشدّ العصب الطائفي، من قبيل حادثة الطيونة. وزاد من هواجس هؤلاء الزعماء، مطالبة اللبنانيين بدولة قوية، تكون بديلاً منهم، وهو ما ظهر في شعار الانتفاضة الفريد؛ "كلّن يعني كلّن" الذي أظهر مدى الشرخ الذي قام بينهم وبين زعماء طوائفهم، والذي كرّسه أكثر التفجير الذي تبيّن أن جميع أقطاب السلطة متورّطون فيه.

كان من المفترض بالمظاهرة التي دعا إليها كلّ من حزب الله وحركة أمل، في 14 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أن ترفع شعاراتٍ تدل على رفض قرارات المحقق العدلي في قضية انفجار بيروت، القاضي طارق بيطار، والتي قال عنها زعماء حزب الله وحركة أمل إنها قرارات "استنسابية"، وأن تدعو إلى إقالته، غير أنها أطلقت هتافات "شيعة شيعة شيعة" التي لا تمتّ إلى موضوع الرفض بأي صلة. وزاد من غرابة المظاهرة توقفها في هذه المنطقة الحساسة والواقعة على خط تماسّ الحرب الأهلية السابقة، ثم كسّر عدد كبير من المشاركين فيها سيارات واعتدوا على ممتلكات الناس الخاصة، بدلاً من إكمال طريقهم إلى قصر العدل حيث القاضي بيطار. وإن كان إطلاق هتاف "شيعة شيعة شيعة" في منطقةٍ غير شيعية، ليس كافياً لاستفزاز أبناء المنطقة، وأغلبهم من أبناء الطائفة المسيحية، فإن عمليات التخريب كانت كفيلة بذلك. وهنا أتى رصاص القنّاصة الذين كانوا متمركزين على أسطح البنايات المحيطة بالمكان، والذين يثير وجودهم الريبة فيما إذا كانوا على علم مسبق بأن أعمال عنف ستحصل، لذلك تجهزوا للظهور بمظهر المدافعين عن أبناء الطائفة، فأردوا ستة من المتظاهرين الذين سرعان ما امتشقوا أسلحةً خفيفةً ومتوسّطة، وامرأة كانت آمنة في بيتها.

ساد شبه يقين، فيما بعد، بأن القنّاصة ينتمون إلى حزب القوات اللبنانية الذي يترأسه سمير جعجع، والذي أعلن صراحة أن العملية هي "7 أيار" مُصغَّر. وهي إشارة إلى العملية العسكرية التي نفذها حزب الله وحركة أمل في بيروت، سنة 2008، واحتل فيها مقاتلوهم العاصمة، وأدت إلى مقتل العشرات، ردّاً على قرار حكومة فؤاد السنيورة مصادرة شبكة اتصالات حزب الله، وإقالة ضابط رفيع في أمن المطار مقرّب من الحزب. ولم ينسَ جعجع أن يضيف فيقول: "لكنه 7 أيار مسيحي، هذه المرّة". وفي كلام جعجع هذا إعلانٌ عن عودة القوات اللبنانية إلى نشاطها العسكري، وهي التي كان يدعو زعيمها إلى مصادرة سلاح حزب الله، معتبراً أي سلاح خارج سلطة الدولة سلاحاً غير شرعي.

حاول نصر الله وجعجع إظهار فائض القوة الذي لدى كلٍّ منهما. ويعدّ فائض القوة هذا كبيراً جداً مقارنة بحجم القوة التي كانت على الأرض في أثناء الحرب الأهلية

احتاج حزب القوات اللبنانية هذه الواقعة أكثر من أي شيء آخر، لكي يثبت للمسيحيين ادّعاءه أنه الوحيد المدافع عنهم، والذي يمكنه أن يقف في وجه حزب الله، خصوصاً في ظل التفاهم الموقع بين حزب الله والتيار الوطني الحر، التابع للرئيس ميشيل عون، ويرأسه صهره، جبران باسيل، هذا التفاهم الذي جعل الفريقين يتماهيان، وأفقد التيار القدرة على معارضة حزب الله، بحسب جعجع. وإذا لم تكن هذه الواقعة كافية لزيادة شعبية "القوات اللبنانية" في الوسط المسيحي، أتى خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بعد أيام من الحادثة، ليزيد من هذه الشعبية. فعلى الرغم من أنه تناول تاريخ القوات اللبنانية، وتحدّث عن الجرائم التي اقترفتها بحق المسيحيين، مشيراً إلى أن برنامج جعجع الوحيد هو الحرب الأهلية، إلا أنه أعلن وجود مائة ألف محارب في صفوف قوات حزب الله. وهذا الإعلان كفيل وحده بأن يزيد من مخاوف الشارع المسيحي، ويزيد بالتالي من شعبية جعجع دون غيره من قادة الطائفة، لكونه أظهر شجاعةً غير مسبوقة في مواجهة الحزب وحركة أمل معاً.

لم يتأخر جعجع بالإعلان أن اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بحزب الله، خلال لقائه مع إحدى المحطات التلفزيونية، وهو بذلك يقدّم نفسه الشخص الذي سيكون حاضراً لمواجهته لصالح اللبنانيين جميعاً. ثم لا ينسى أن يكرّر دعمه المحقق العدلي، لكون هدف حزب الله وحركة أمل الدائم تنحيته. وهو بذلك يقدّم نفسَه مدافعاً عن الحقيقة المرتجاة، وعن المسيحيين وحقوقهم، لأن أغلب سكان المنطقة التي تأثرت أكثر بفعل الانفجار مسيحيون. ولكن، هل سيكون إعلان نصر الله أن لديه مائة ألف مقاتل، ثم نُصحه جعجع بالتعقل، دافعاً للأخير إلى التعقل أم مسبباً للتصعيد؟ ليس من السهل الجزم بأنه لن يكون دافعاً إلى التصعيد، مع العلم أن لهذا التصعيد مخاطر كثيرة، أهمها أن أي مشكلة جانبية بين شخصين منتميين إلى حزب الله والقوات قد تتطوّر إلى مشكلة كبيرة، لا يمكن أوامر الزعيمين أن تخمدها. كذلك فإن كلام جعجع يدلّ على استناده إلى قوة عسكرية، وهنالك من يقول إن لديه آلاف الشبّان المدرّبين على حمل السلاح، فإذا تأخر جعجع بتنفيذ خطة عسكرية ضد حزب الله، ألا يمكن أن نشهد انشقاقاً شبيهاً بالذي نفذه هو نفسه ضد إيلي حبيقة، شريكه في قيادة القوات اللبنانية سنة 1985، وبالتالي الدخول في متاهةٍ من الصراع الجديد وغير المحسوب؟

أي حربٍ ستكون تدميريةً على الجميع، وسيكون الدمار من القوة بحيث لن يبقي ملاجئ تحمي المدنيين

حاول نصر الله وجعجع إظهار فائض القوة الذي لدى كلٍّ منهما. ويعدّ فائض القوة هذا كبيراً جداً مقارنة بحجم القوة التي كانت على الأرض في أثناء الحرب الأهلية التي امتدّت من سنة 1975 حتى 1990. يومها قيل إن عدد المقاتلين الذين كانوا على الأرض لم يتجاوز 15 ألف مقاتل، وكانت الأسلحة يومها مجرّد أسلحة هواة، إذا ما قورنت بالأسلحة المتوافرة لدى حزب الله حالياً، وربما لدى القوات اللبنانية. ويعرف الطرفان، وربما أطرافٌ أخرى، أنه في لبنان الصغير يقع كل طرفٍ في المدى المجدي لأسلحة الطرف المقابل، وأن أي حربٍ ستكون تدميريةً على الجميع، وسيكون الدمار من القوة بحيث لن يبقي ملاجئ تحمي المدنيين، والذين لم يبقَ لديهم مكانٌ ينزحون إليه، كما فعلوا حين كانوا ينزحون إلى سورية خلال الحرب السابقة.

من ذلك يمكن الاستنتاج أن قوة حزب الله وحلفائه، وقوة الطرف المقابل، ليستا سوى نمرين من ورق، إذا كان الغرض منها حرباً أهلية. وهو الأمر الذي يقود إلى استنتاج أن من كان حليفاً في انتخابات الأمس النيابية والبلدية والنقابية والطلابية وغيرها لا يمكنه أن يواجه حليفه الذي يحتاجه في ظل معركة وجود المنظومة الحاكمة ضد القضاء وضد شعبٍ استفاق من خداع هذه المنظومة، وعرف أن تفقيره والسطو على أمواله المودعة في البنوك وتدمير حياته ليست سوى وسيلةٍ لإبقائه منزوع الإرادة ليصبح طوع أمر الزعيم، سيد الطائفة، وتمكين هذا الزعيم من شنّ حربٍ أهليةٍ صغيرة، يكون هدفها الوحيد تجديد دم زعامته الطائفية.