انتظارات 2021 عربياً

07 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

إذا كانت الشعوب العربية لا تختلف عن شعوب المعمورة في تطلّعها إلى دحر فيروس كورونا في السنة الجديدة، فإن ذلك لا يعني تنازلها عن تحقيق آمالها العريضة التي حملتها رياح الثورات العربية قبل عشر سنوات، فعلى الرغم من أجواء الفوضى والخراب التي حلت بالمنطقة بعد الالتفاف على هذه الثورات بعسكرة بعضها، والالتفاف على بعضها الآخر، إلا أن ذلك لم يحل دون تجدّد هذه الآمال، وبروز موجة ثانية من هذه الثورات في الجزائر والسودان ولبنان والعراق (2019).

وعلى أهمية هذه الموجة ودلالتها، إلا أنها لم تنجح في تغيير المعادلة التي تشكلت في المنطقة بعد 2013 برعاية الثورة المضادّة والاستبداد الجديد، باستثناء التغيير الهش الذي حدث في السودان. وجاءت الجائحة لتفضح انتهازية النظام العربي الذي وظّف كل إمكاناته الأمنية والسياسية والإعلامية لاستخلاص العائد السياسي لكورونـا، وإعادة إنتاجه في مسعى لترميم شرعيته المتآكلة.

ويُمثّل اقتراب عودة الحياة إلى إيقاعها الطبيعي تحدّيا كبيرا لهذا النظام، فالأسباب البنيوية التي كانت وراء اندلاع الموجتين، الأولى والثانية، للربيع العربي لا تزال قائمة، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة المطالب التي رفعها المحتجّون في مختلف ساحات الحراك الشعبي. وقد أثبتت الجائحة أن هذه المطالب لم تعد تحتمل التأخير، وبالأخص في القطاعات الاجتماعية الحساسة التي تعاني من نقص مُهول في الموارد المختلفة. وقد كشفت يوميات كورونا، في غير بلد عربي، سوء الأنظمة الصحية التي انهار بعضها أمام ارتفاع أعداد المُصابين، وعجز الحكومات عن التحكّم في الوضعية الوبائية، وتطويق رقعة تفشّي الفيروس.

كانت الجائحة بالنسبة للاستبداد العربي فرصة ذهبية لإعادة جدولة أولوياته، وتثبيت بنياته السلطوية، وفرض ميزان قوى جديد. ومن ذلك تجفيف منابع المعارضة السياسية والأهلية وتقليص حضورها في الفضاء العمومي، والتحكّم في وسائل الإعلام، والتضييق على الحريات العامة، غير أنها، في الوقت نفسه، كشفت هشاشته وضعف امتداده داخل المجتمع. فقد سخّر، في أحيان كثيرة، إعلامه المتخلّف للتغطية على تردّي النظام الصحي العمومي، بالتركيز على فعالية التدابير الوقائية المتّخذة في سياق ''حرصه على صحة المواطنين وسلامتهم''. وفي ذلك ما يؤكد تقلص هامش المناورة أمامه، ولا سيما أن الجائحة فاقمت من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة نتيجة لجوء معظم دول المنطقة إلى الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية لتدبير (إدارة) التداعيات الاجتماعية الناجمة عن توقف النشاط الاقتصادي خلال فترة الحجْر الصحي.

لا تمتلك النخب الحاكمة استراتيجية واضحة للتعاطي مع هذه التداعيات، في غياب الإرادة السياسية واستشراء الفساد والريع، وارتفاع نسب الفقر والبطالة، وتردّي الوضع المعيشي والاجتماعي لفئات واسعة. وهو الأمر الذي يعيد إلى الواجهة احتمال اندلاع نسخ جديدة من الحراك الشعبي، ولا سيما في البلدان التي كانت تعرف دينامية احتجاجية قوية قبل تفشي فيروس كورونا (الجزائر، لبنان، العراق). وهو ما قد يربك، أكثر، محور الثورة المضادّة في المنطقة، الذي يجد نفسه، اليوم، بلا تغطية دولية بعد هزيمة دونالد ترامب في الرئاسيات الأميركية الأخيرة. كما أن استراتيجيته القاضية بتمويل الحروب الأهلية وإذكاء النعرات الطائفية والجهوية قد لا تسعفه، في مقبل الأيام، بسبب تكاليفها المالية والسياسية الباهظة وتأثيرها على التوازنات الإقليمية. وقد يدفعه ذلك إلى البحث عن وصفات جديدة لضرب مصادر التعبئة الاجتماعية في المنطقة، من قبيل اختراق المؤسسات الديمقراطية القائمة، وتسفيه العمل السياسي، وتغذية مصادر السلطوية، وإغراء الجيوش للتدخل أكثر في الحياة السياسية، وذلك في أفق الإجهاز على الديناميات السياسية والمجتمعية التي من شأنها القطع مع الاستبداد والتحوّل نحو الديمقراطية. 

بالتوازي مع ذلك، يُتوقع أن يستمر مسلسل التطبيع مع الكيان الصهيوني، مع ما يعنيه ذلك من فتح البلاد العربية أمامه لاستباحتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وتفكيك ارتباطها الوجداني بالقضية الفلسطينية التي يُنتظر أن تواجه، خلال السنة الجارية، أطوارا أخرى من مسلسل تصفيتها، مع ما يثيره ذلك من أسئلة بشأن الأدوار التي يفترض أن تلعبها القوى الأهلية والشعبية العربية على صعيد مناهضة التطبيع والتصدّي لمخرجاته.