اليسار المغربي يواصل تراجعه

اليسار المغربي يواصل تراجعه

05 اغسطس 2021
الصورة

(محمد شبعة)

+ الخط -

لم يعد هناك خلافٌ في أنّ اليسار المغربي، بجميع تياراته وفصائله، يواصل اليوم، ونحن على أبواب دورة انتخابية مُنتظرة في 8 سبتمبر/ أيلول المقبل، تَرَاجُعَه داخل المشهد السياسي المغربي. نقول تراجُعَه، ولا نتحدث عن أُفوله أو نهايته، وذلك لقناعتنا بالأهمية التاريخية للخيارات والمبادئ التي رَكَّبَ في تاريخنا المعاصر، والتي نتصوَّر إمكانية إعادة تطويرها وتكييفها مع متطلبات أسئلة الراهن المغربي وتحدّياته. لا نتحدّث هنا عن التراجع في عدد مقاعده في البرلمان وباقي المؤسسات المنتخبة، ولا عن مبرّرات مشاركته في ما سُمِّي، نهاية القرن الماضي، بالتناوب التوافقي، ثم في الأغلبيات الحكومية أو في المعارضة. إنّنا نفكر أساساً في التراجع الحاصل في أوضاعه العامة، المرتبطة بخياراته السياسية الكبرى وأنماط حضوره في المجتمع، وكذا كيفيات مجابهته أسئلة الراهن السياسي والثقافي في بلادنا. التراجع المقصود واقعٌ تُجَسِّمُه اليوم معطيات ومؤشرات مُحدَّدة.

نقرأ علامات التراجع، في سياق تحوّلات السياسة والتاريخ في عالم متغيِّر، وهو يرتبط بنوع من الذهول السياسي عن المقاصد والأهداف التي جَسَّدَها اليسار في تاريخه، إضافة إلى نزوعٍ يتمثل في أشكالٍ من تغييب الذاكرة، إذ تكرّر الأجيال الجديدة المنخرطة اليوم في أحزاب اليسار الصغيرة أخطاءً حصلت قبلها، فهي تنتقد الأحزاب التي انشقَّت عنها، وتنخرط في إعلان المواقف التي انخرطت فيها قبلها.. تنتقد التقصير والتواطؤ، ولا تُنْجِز البدائل المكافئة للتحوّلات الجارية في المجتمع وفي النظام السياسي. تخطَّى اليسار المغربي اليوم درجة الذهول، ليقف أمام مُنْحَدَرٍ بلا قرار. إنّه يواجه نتائج تراجعه أمام الأحزاب المحافِظة وأحزاب الإدارة، لعدم قدرته على مواجهة أعطابه ولغته ومواقفه المُتصلِّبة والجامدة.

عندما نُعَايِن نتائج انتخابات 2011 ونتائج انتخابات 2016، نكتشف، بصورة واضحة، أن اليسار في تراجُع مستمر، وذلك في مقابل استمرار مواصلة اكتساح اليمين المحافظ، بأشكاله وأنماطه المختلفة (الإسلام السياسي، حزب الاستقلال، الحركة الشعبية)، مواقع متقدِّمة في سُلَّم الخرائط الانتخابية، الْمُعَدَّة بكثير من الترتيب المناسب لصور التَّقطيع الانتخابي، وباقي إكسسوارات اللُّعْبة السياسية المغربية، في أشكالها المحسوبة بكثير من الدقة والعناية. يواصل اليسار تشرذمه، وما يجري اليوم من صراعٍ مفتوحٍ في قلب مكوِّنات مشروع فيدرالية اليسار التي تحلم بتكوين نواة يسار موحَّد، تمهيداً لبناء قُطْبٍ يساري كبير، يُظْهِر بوضوح ثقوب ذاكرة اليسار.

المتغيرات الجديدة التي تملأ المشهد السياسي المغربي اليوم تستدعي آلياتٍ جديدة في المواجهة وإعادة بناء الذات

تحول اليسار المغربي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ثلاثة عقود ما بعد الاستقلال (1956 - 1986)، حين صنع في المجتمع المغربي أفقاً للتقدُّم في الثقافة والسياسة والمجتمع، واستطاع أن يُشَكِّل قوةً سياسيةً تتطلع إلى إنهاء الحكم الفردي وبناء الملامح الكبرى والعامة للمشروع السياسي الديمقراطي، كما تبلور وأصبح واضحاً ومُعْلَناً في حزب الاتحاد الاشتراكي، الوريث الأكبر للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. نقول هذا بروح القناعات التي كانت مكافئةً لمشروع اليسار في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث كان الأفق التقدُّمي لسنوات الاستقلال الأولى، محكوماً بسياقات معارك التحرير وأسئلة بناء المجتمع الجديد والدولة الوطنية، وكانت معاركه وأدواره المُعارِضة للنظام وأدواته تروم المساهمة في تحويل تطلُّعات الجيل الأول لمغرب الاستقلال إلى شعاراتٍ للعمل السياسي، وقد ساهمت بدورها في تهييء الأرضية التي سيتبلور في سياقها لاحقاً اليسار الماركسي الذي أصبح عنواناً لأفق جديد وأسئلة جديدة، إلّا أنّه دخل بدوره تحت ضغط عوامل متعدِّدة في دورة الذهول، واكتفت بقاياه بالانخراط في مؤسسات المجتمع المدني، كما انخرط بعضها في المشهد الحزبي، وواصلت بقية أخرى منه رَفْع شعارات لا تكافئ المتغيرات الكبيرة الحاصلة في المجتمع المغربي.

يمكن الإشارة هنا إلى أنّ كثيراً من أوجُه التراجع التي نُعايِنُها في واقع اليسار المغربي برزت علاماتها الأولى منذ مطالع تسعينيات القرن الماضي، سواء في خياراته الأساس ولغته ومواقفه من النظام، أو في عدم قدرته على إدراك التحولات التي حصلت في المجتمع، فظلّ سجيناً لتصوُّراتٍ معينةٍ عن ذاته، على الرغم من كلّ ما لَحِقَها من وَهَن سنوات مواجهته النظام، ظلّ يشتغل بمنطق الستينيات، ونَسِيَ مقتضيات التغيير التي شملت الفضاء السياسي، ومقتضيات سقوط جدار برلين، وكذا بدايات تَشَكُّل الإرهاصات الكبرى لعالم جديد في طور التَّشَكُّل.

لم يعد بإمكان مكوِّنات اليسار أن تواصل توظيف موروث الثقة والنضال والوطنية والمبادئ العامة للعدالة الاجتماعية

أما أبرز التحدّيات التي تواجه اليسار اليوم، فيمكن حصرها في ثلاث قضايا كبرى، تتفرَّع عنها مجموعة من المشكلات التي تحتاج مواقف واضحة ومحدَّدة. وسنكتفي بتحديد القضايا الكبرى، نظراً إلى أهميتها المتزايدة، في دائرة الصراع السياسي المتجدِّد في مجتمعنا. تتعلق الأولى بالمبادئ والخيارات الكبرى لليسار ومرجعيته، وهي تحدّيات لا يمكن مواجهة غيرها من التحدِّيات القائمة في مشهدنا السياسي، إلّا بإيجاد المخرج المناسب لها أولاً وقبل كلّ شيء، إذ يُفْتَرَض أن يعيّن اليسار اليوم حدوده، ومواقع أقدامه، ويستوعب جدليات الصراع في تاريخه في علاقتها بجدليات الصراع المتطوِّر اليوم داخل مجتمعه وفي العالم. أما المعركة الثانية فترتبط بالنظام السياسي القائم بأسمائه المختلفة، من أجل مزيدٍ من مواصلة الجهود التحديثية، قصد توسيع درجات المشاركة في الشأن العام، وترسيخ قِيم التعاقد والمواطنة والمأسسة، تمهيداً لبناء مقوِّمات التضامن والعدالة. وترتبط التحديات الثالثة بوضعية التعدُّدية الحزبية وتعدُّدية اليسار، فواقع العمل الحزبي في المغرب، في كثير من أَوْجُهِه المرتبكة والمُفبركة في سياقاتٍ محدَّدة، يُعدّ مُحَصِّلَة لتجربة طويلة من الصراع السياسي بين النظام ونخب المجتمع، وأنّ كثيراً من عيوبه ولَّدتها تدخلات السلطة في تركيب الخرائط المنسجمة مع آلياتها في العمل السياسي، المساعد على مزيد من الضبط والهيمنة... وساهمت النخب الحزبية المتواطئة مع النظام، من دون استثناء، في تزكيتها.

نتصوَّر أنّ المتغيرات الجديدة التي تملأ المشهد السياسي المغربي اليوم تستدعي آلياتٍ جديدة في المواجهة وإعادة بناء الذات. لم يعد بإمكان مختلف مكوِّنات اليسار أن تواصل توظيف موروث الثقة والنضال والوطنية والمبادئ العامة للعدالة الاجتماعية، فقد لا تكون لها الفائدة التي كانت لها في أزمنةٍ خَلَت، فقد تغيرت كثير من ملامح شرعيات العمل السياسي التقليدية، الأمر الذي يتطلب آلياتٍ أخرى في العمل وفي المأسسة، لمنح الأفق اليساري، في المشهد السياسي المغربي، المقتضيات الإيديولوجية والتنظيمية المناسِبة لشعاراته الجديدة.