النهاية عندما تسبق البداية

النهاية عندما تسبق البداية

29 أكتوبر 2023
+ الخط -

هي الحرب الأولى التي سبقت نهايتُها بدايتها، أما البقية فمحضُ تفاصيل. والنهاية تقول إن المقاومة في غزّة انتصرت منذ اللحظة الأولى التي نجحت فيها في اقتحام "الغلاف" لتقرأ الكتاب كاملاً، وتضع نقطتها على السطر الأخير.

على كتّاب التاريخ، إذاً، أن يؤرّخوا، وعلى الخبراء العسكريين أن يعيدوا النظر في مسلّماتهم التي تقول إنّ نتائج الحروب رهنٌ بخواتيمها، ذلك أن "طوفان الأقصى" حصدت الثمرة قبل موسمها، وحازت الجائزة قبل أن تستقرّ الدواليب على رقم الحظ؛ لأنها هي من صنعت الموسم، وهي من كانت الرقم "الصعب" في حسابات من أغفلوها.

عبقرية "طوفان الأقصى" الأولى أنّها اندلعت عكس التيار، في زمنٍ ظنّ فيه الجميع أنّ التيّار يوشك أن يصبّ في مستنقع النهاية، بما يكتظّ فيه من سيطرة صهيونية كاملة على المشهد، وحوله طحالب التطبيع العربية التي ما كان للوحش أن يتسيّد لولا أنها كانت تتقافَز أمامه كالضفادع لتكنس الحصى عن طريقه، فجاء الطوفان ليكنسهم مع "سيّدهم"، ويكتشفوا أنهم كانوا يراهنون على قزم مثلهم لم يتعملق إلّا في كهوف رعبهم، عندما صنعوا منه "بُعبعاً" يخيفون به شعوبهم كلما جازفت تلك الشعوب بطلب فتاتٍ من حرّياتها المستلبة.

أما العبقرية الثانية للطوفان، فتكمن في أنها سبقت العدوّ برسم خريطة جديدة للمنطقة، وهي الذريعة التي تشدّق بها المحتلّ لترميم صورته عبر التلويح بأنّ حرب الثأر التي يخوضُها ضدّ الأطفال والمستشفيات والشجر ترمي إلى "التغيير بالتهجير"، ثم تقلّص الهدف إلى اجتثاث جذور المقاومة من غزّة نهائياً وتحويلها إلى قطاع منزوع الكرامة، تمهيداً لضمّه إلى حظيرة التدجين التي سبقه إليها "ثوار" رام الله. غير أنّ العدوّ لم يدرك أنّ الخريطة الجديدة رسمها المقاومون في بداية المعركة، عندما تصادى نصرُهم المؤزّر مع "عودة الروح" إلى ملايين هذه الأمة، التي أصيبت بما يشبه صدمة الوعي على حقيقة أنّ في الوسع الانتصار فعلاً على هذا الكيان الذي بدا وكأنّه سيمكُث بيننا إلى الأبد.

وفي العبقرية الثالثة للطوفان، جاء "التحرير" مصطلحاً جديداً لم نألفه، فقد كانت ثمّة دولة حقيقية بأرض وسماء وحدود أسّسها المقاومون بسلاحهم وإرادتهم، وفرضوا عليها قانونهم وشرائعهم الخاصة، وبسطوا هيمنتهم عليها 45 دقيقة تعادل 75 عاماً من انتظار الحلم. كانت دولة ذات مهابة وسيادة، و"سلطة فلسطينية" حقيقية تمارس مسؤولياتٍ لا يمليها عليها عدوّها، يحكمها المقاومون أنفسُهم الذين يلاحَقون عند "سلطة فلسطينية أخرى".

رفعت الدولة علمها خفّاقاً على أنقاض الاحتلال، بدباباته المحترقة، وأبراجه الحصينة، ومستوطنيه الذين فرّوا مذعورين خارج المشهد الفلسطيني مكتمل الأركان، وخارج الدولة الفلسطينية التي نفضت عن ثوبها وسخ المحتلّ، وعار أنظمة عربية تنازع إسرائيل على خنقها قبل الولادة.

ذلك كله، استَبَقَتْهُ معركة طوفان الأقصى قبل المعركة، ونازلته قبل المنازلة، وأنجزته قبل الإنجاز، وهذا ما تعلمه "إسرائيل" جيداً التي لا يحرّكها غير الحقد والعمى، أملاً في ترميم صورة لم تعد ترمّم حتى من أقرب الحلفاء لديها، بمن فيها الحامي الأول لها، أميركا، التي هبّت لإنقاذها، وكذلك أنظمة التطبيع التي أراهن أنها ترتجف بعد أن سقط عنها معطف الحماية الذي راهنت عليه، لأنّ عروشها ذاتها أصبحت على المحكّ، وكذا أحلافها التي أقامتها مع هذا الكيان الذي ظنّته منيعاً، لكنّه سقط في اختبار غزة وحماتها.

ومهما كانت نهاية المعركة التي تكلّلت بالنصر المؤزّر في مطلعها، فثمّة "مسك البداية" الذي لن يتبدّد ولن يتبخّر؛ لأنّه أحيا أمّةً بأكملها، قادرة أن تنتزع الراية من شهيد إلى شهيد.

EA8A09C8-5AE7-4E62-849E-5EBF1732C5FF
باسل طلوزي

كاتب وصحافي فلسطيني. يقول: أكتب في "العربي الجديد" مقالاً ساخراً في زاوية (أبيض وأسود). أحاول فيه تسليط الضوء على العلاقة المأزومة بين السلطة العربية الاستبدادية عموما والشعب، من خلال شخصيتين رئيسيتين، هما (الزعيم) والمواطن البسيط (فرج). وفي كل مقال، ثمة ومضة من تفاصيل هذه العلاقة، ومحاولة الخروج بعبرة.