النظام المصري والسلفيون ونهاية التحالف السياسي

النظام المصري والسلفيون ونهاية التحالف السياسي

27 يونيو 2021
الصورة

في مكتب لحزب النور في القاهرة (1/12/2011/فرانس برس)

+ الخط -

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي، وقنوات إعلامية مختلفة، قبل أيام، شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب، أحد أقطاب المدرسة السلفية في مصر، أمام إحدى محاكم الجنايات في القضية المعروفة إعلاميا بقضية "داعش إمبابة". وبين المهاجم والمدافع، كعادة الواقع المجتمعي المنقسم في مصر، انطلق الناس إلى تقييم الشهادة، فمنهم من رأى أن الهدف من ذلك هو الهجوم علي الإسلام، حيث يرى أتباع هذا المنطق أن الشيخ أحد رموز الإسلام، وهناك خطة من نظام عبد الفتاح السيسي لهدم الإسلام، وتم ربط ذلك بسؤال القاضي الشيخ يعقوب عن سبب بدء كلامه بالصلاة علي النبي (بعيدا عن استهجان منطق السؤال)، وفسّره أتباع الشيخ على هذا الوجه. في المقابل، كانت وجهة النظر الأخرى التي رأت أن في شهادة الشيخ كثيرا من الهروب والتراجع عما قاله من قبل، وأنه، وغيره من أقطاب المدرسة السلفية في مصر، هم المسؤولون عن ظهور تيار التشدّد ونشر التطرّف في أوساط المجتمع المصري، خصوصا الشباب.

ولا تهدف المقالة هنا إلى تقييم شهادة الشيخ يعقوب، إنما تبرز أهم النقاط التي نسي عديدون أن يذكروها في خضم معركة الهجوم والدفاع بشأن شهادة الشيخ في المحكمة. أولى هذه النقاط أن غياب الدولة عن المجال العام جعل المواطن يلجأ إلى مؤسساته الدينية، فلجأ القبطي إلى الكنسية والمسلم إلى المسجد، وهنا دارت المعركة بين التيار السلفي والإخوان المسلمين على السيطرة على المساجد، ولعل هذا ما أدّى إلى دخول وزارة الأوقاف والأجهزة الأمنية على الخط لتحجيم انتشار "الإخوان" وسيطرتهم على المساجد، وإطلاق يد السلفيين للهيمنة عليها، وقد شكّل السلفيون جمهور ناخبيهم عبر عقود من الوعظ الديني، والعمل الخيري على مستوى القاعدة الشعبية، ولكن بشروط يستفيد منها النظام، ومن دون التدخل في السياسة، لأن الرئيس حسني مبارك كان يرى الخطر الحقيقي على حكمه يأتي من الإسلاميين.

غياب الدولة عن المجال العام جعل المواطن يلجأ إلى مؤسساته الدينية، فلجأ القبطي إلى الكنسية والمسلم إلى المسجد

وهنا تأتي النقطة الثانية، أن الطريقة التي تحدّث بها الشيخ يعقوب أمام المحكمة، من وصف نفسه بالداعية، وأن جماعة الإخوان المسلمين تهدف إلى الحكم، هي عودة إلى الخطاب الذي كان متبعا من أنصار هذه المدرسة في أثناء حكم مبارك، أنهم لا علاقة لهم بالسياسة، بل هم دعاة إلى الله، لا يبتغون في ذلك سوى بناء المجتمع المسلم، وأن السياسة لا تعنيهم من قريب أو بعيد. ولعل هذا الخطاب كان بالتوافق مع الأجهزة الأمنية المصرية في أثناء عهد مبارك، والتي فتحت لهم القنوات الفضائية لترديد هذا الخطاب الدعوي، وتكريه الناس في السياسة، ونشر مقولة لا يجوز الخروج على الحاكم. لقد عمد نظام مبارك، في تلك الفترة، إلى استخدام السلفيين، والتحالف معهم من أجل محاربة الإخوان المسلمين، وتمدّدهم في المجتمع المصري، وفي مؤسساتٍ عديدة أخرى، مثل النقابات المهنية والاتحادات الطلابية وغيرها. وهي الخطة نفسها التي عمد إليها عبد الفتاح السيسي، في بداية حكمه، متحالفا مع السلفيين لتمرير الانقلاب العسكري، وصعوده إلى السلطة، ثم انقلب عليهم كعادته. عند العودة إلى 3 يوليو/ تموز 2013، وخطاب السيسي لإعلان إطاحة الرئيس محمد مرسي، نجد أن رئيس حزب النور حينها، يونس مخيون، كان حاضرا، ويعني هذا دعم الحزب الكامل للانقلاب العسكري. ولعل هذا الموقف براغماتي بحت يقوم على المصلحة، وهي مصلحة الحفاظ علي الدعم المالي المقدم من السعودية للحزب، ومعروفٌ موقف المملكة من ثورة يناير، ومن الانقلاب العسكري الذي دعمته بقوة. ولم يكن حزب النور لينجح بعد تأسيسه بعد ثورة يناير لولا الدعم السعودي الذي أدّى دورا في استمرارية الحزب، فقد كان أول حزب سلفي يدعم حكومة السيسي العسكرية، وكان أول من نشط في دعم السيسي لإطاحة حكم الرئيس المنتخب، محمد مرسي.

كان تحالف حزب النور مع السيسي حينها يستند على مصلحة مشتركة، هي القضاء على الإخوان المسلمين، وكان السيسي حينها في حاجةٍ لحليف إسلامي، ليشارك في الحياة السياسية، ويكون متنفساً للناخبين الإسلاميين. لم يتحالف السيسي فقط مع حزب النور، بل مع تياراتٍ سلفية أخرى، كالدعوة السلفية التي دعمت السيسي للترشّح لرئاسة الجمهورية، ونشرت محضرا وزّعته على جميع مكاتبها ومسؤوليها في جميع محافظات الجمهورية لتعميمه على الأعضاء. ومن بين أسباب دعم الدعوة السلفية أن عند السيسي "درجة كبيرة من الوفاء معنا في مسألة وضع الشريعة والهوية الإسلامية فى الدستور، وليس كمن نقض العهد معنا تماما في مسألة الشريعة والشيعة (يقصدون هنا محمد مرسي). وهو يحب تطبيق الشريعة فى البلاد الإسلامية، ولكن يرى أن ذلك يحتاج إلى التدريج ووقت طويل وتهيئة للأجواء وإصلاح مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة، لتحسين منظومة القيم والأخلاق، كما أن ليس له أيدلوجية معادية للإسلام؛ ليس ليبراليا ولا علمانيا ولا يساريا وليس معادياً للشريعة، ولكن ربما يكون رافضا لبعض الأفكار عند بعض الإسلاميين. بل عنده تدين ربما ليس كالتدين من وجهة نظر الدعوة السلفية، ولكنه يحافظ على الصلاة ويصلّى الفجر ومتواضع، وذو خلق، يذكر ذلك كل من خالطه عبر سني عمره، بل ذكر أنه كان يعتكف في مرحلة من عمره... إلخ".

يعمل النظام على عسكرة شاملة للمجتمع المصري، واحتكار كل الأدوات التي تشكل وعيه، في مقدمتها الخطاب الديني

قبل فضّ الاعتصام في ميدان رابعة العدوية، في 14 أغسطس/ آب 2013، تدخل عدد من شيوخ السلفية لمحاولة الصلح بين "الإخوان" والسيسي، وكان منهم الشيخ محمد حسان وآخرون، من أجل الوصول إلى حل، وحقن للدماء، لكن الأمر لم ينجح. وبعد فضّ الاعتصام، أفتي بأنه يجوز لولي الدم العفو مقابل المال، والاعتراف بتغلّب السلطان، وهو هنا يقصد السيسي، إلا أن هذا الأمر تم رفضه. عند هذه النقطة، توارى الشيخ حسّان عن المشهد، وأغلقت قناة الرحمة التي يمتلكها، ولم يعد هناك ظهور له، وأصبح الوحيد الموجود على الساحة حزب النور حليفا سياسيا يستخدمه السيسي لمحاربة "الإخوان"، حتى أنهيت مهمته، وتمت إطاحته من المشهد. والآن، الغرض من الحرب الدائرة على عدد من شيوخ الدعوة السلفية تفكيك التيار السلفي في المجتمع المصري لصالح النظام، وليس لصالح الأزهر، المؤسّسة الدينية، والتي على الرغم من أهميتها تحتاج إلى إصلاح جوهري، لكن النظام يسعى أيضا إلى السيطرة عليها وتقويضها. وبالتالي، ما يتم هو في مصلحة النظام، ليس مصلحة تجديد الخطاب الديني.

يهدف النظام المصري أيضا إلى معاقبة كل من هؤلاء الشيوخ على أي قولٍ صدر منهم من قبل ضده في تعامله مع الاعتصام في ميدان رابعة، وبالتالي نوع من العقاب لهم، وهذه عقلية الأجهزة الأمنية التي لا تنسى ثأرها أبدا من أي شخصٍ انتقدها، أو كان له موقفٌ مضادٌّ منها. ما يعمل عليه النظام هو عسكرة شاملة للمجتمع المصري، واحتكار كل الأدوات التي تشكل وعيه، وفي مقدمتها الخطاب الديني، لكن الأزمة الأعمق في ذلك أن تفكير الطبقة العسكرية في مصر سلفي، ينعكس في المحاكمات التي تتم حاليا لفتيات وفتيان في قضايا يعرف عنها أنها تخالف قيم الأسرة المصرية (ما هي؟)، إلى جانب أن نهج القمع والعنف المتّبع من النظام وإغلاق المجال العام هو الدافع الأساسي للتطرف وانتشاره بين الشباب. لذا كل ما يحدث هو محاولة من النظام لبسط مزيدٍ من السيطرة وإهدار أكثر للحريات.