المواطنة ومأساة اللبنانيين

المواطنة ومأساة اللبنانيين

21 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

منذ عقود عديدة والعالم كلّه، بدوله ومؤسساته ومنظماته، يسعى إلى تحديد الأسس والقواعد التي تنظّم حقوق الأفراد وواجباتهم وترسم حدود العلاقات البينيّة بين الأفراد من جهة وبينهم وبين الدولة ومؤسساتها وهيئاتها من جهة أخرى، وهو ما يمكن تسميته الحق في المواطنة، وهو مفهوم يقوم على أساس المساواة للأفراد في الحقوق والواجبات، من دون النظر إلى الانتماء الديني أو العرقي أو المذهبي أو أي اعتبارات أخرى.

تأخذنا هذه المقدّمة إلى الحديث عن مأساة اللبنانيين، والتي سببها الأساسي أداء السياسيين الفاسدين الذين يمارسون سياسة الصمم السياسي التي شوهت وجه لبنان الحضاري، وأخرجته عن مقومات النظام البرلماني، فاستبدل القيم الديمقراطية بالتوريث السياسي وتقاسم الدولة، وسمح بإقامة كيانات مسلحة غير شرعية ومنخرطة في الصراعات الإقليمية والدولية، من دون أي اعتبار لمصالح الأغلبية الساحقة من اللبنانيين الذين يترنّحون في خضمّ مخاض متواصل ومُثقل بصنوف المعاناة منذ عدّة سنوات، بين مطرقة العوز والفقر وانعدام الخدمات وسندان فيروس كورونا.

انهيار الاقتصاد اللبناني هو "انهيار القرن" في ظل مجموعة من الأرقام والمؤشرات التي تتخطى ببشاعتها بشاعة الساسة اللبنانيين المصرّين على سلوكهم الطائفي والمحاصصاتي

لا جدال في أنّ الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي، تعاظم وتكامل خلال السنتين الماضيتين، حتى بات لبنان واللبنانيون في قاع الكارثة، والأرقام الصادرة على المنظمات الدولية واضحة وصريحة، وتعطي تصوراً كاملاً عن حجم هذا الانهيار، وعن تحوّل لبنان إلى دولة فاشلة متخبطة، تديرها مراكز قوى داخلية كثيرة، أهمها حزب الله وحليفه رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر الذي يقوده جبران باسيل صهر الرئيس.

أفاد تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، نشر مطلع شهر أغسطس/ آب الحالي، عن الوضع الاقتصادي المنهار في لبنان، بأن انهيار الاقتصاد اللبناني هو "انهيار القرن" في ظل مجموعة من الأرقام والمؤشّرات التي تتخطى ببشاعتها بشاعة الساسة اللبنانيين المصرّين على سلوكهم الطائفي والمحاصصاتي.

وكان البنك الدولي قد صنّف الأزمة التي يعيشها لبنان حالياً من بين الأسوأ منذ عام 1850، وحذّر من أن كل مقياس اقتصادي في لبنان يشير إلى كارثة، فقيمة الليرة اللبنانية في السوق السوداء وصلت إلى أرقام قياسية بلغت عشرين ألف ليرة لكل دولار، ووصلت معدلات البطالة إلى 40%، وأصبح نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، وما يقارب 78% من الأسر اللبنانية، وكذلك 99% من عائلات اللاجئين السوريين لم تعد قادرة على تحمّل تكاليف الطعام، كما تراجعت واردات الدولة التي تعتمد على الاستيراد بنسبة 45% لأسباب من بينها دمار مرفأ بيروت العام الماضي.

من غير الممكن التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان مع الارتفاع الجنوني للدولار أمام العملة المحلية وانقطاع الكهرباء ساعات طويلة وفقدان الوقود والدواء وإغلاق المخابز

ومن هنا، يمكن القول إنّ المقاربات الميدانية في لبنان تبدو مفتوحة على كل شيء، فمن غير الممكن التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان مع الارتفاع الجنوني للدولار أمام العملة المحلية وانقطاع الكهرباء ساعات طويلة وفقدان الوقود والدواء وإغلاق المخابز، والمؤسسات الاقتصادية والمستشفيات.

كل ما حدث وما زال يحدث يعكس الأزمة المركّبة التي يواجهها لبنان اليوم، في ظل فشل وظيفي واضح للدولة، يتأتّى من إخفاقات متتابعة في أداء جميع مؤسساتها، وسياسة حكوماتها المتعاقبة المنتمية للطبقة السياسية الفاسدة نفسها التي وقفت عاجزة عن معالجة المشكلات، حتى تدنّى أداؤها إلى مجرّد دفع رواتب الموظفين، وتمرير تعيينات قائمة على محاصصات طائفية وحزبية، استرضاءً لمجموعة من الزعماء الذين أوصلتهم التركيبة الطائفية والمذهبية إلى ما هم عليه.

ومن هنا، يقتضي تفكيك هذه الحالة الخطيرة وإنهاء موجباتها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة، العمل على إعادة بناء هياكل الدولة وبناء العلاقة بين أهل الوطن الواحد، ومنظومة الحقوق والواجبات على قاعدة المواطنة الجامعة والانتماء للبنان أولاً وآخراً، بحيث لا يكون الاختلاف الديني والسياسي والمذهبي سبباً لحرمان المواطن اللبناني من حقوقه الطبيعية والأساسية، كما لا يكون الانتماء الديني والسياسي والمذهبي الدافع لمنحه امتيازات تتجاوز حقوقه الطبيعية. فلبنان حالياً بات على مفترق طرق، والوضع لم يعد يحتمل أي تسويف أو مماطلة أو تأخير، فالخطر يدهم الجميع بشروره ومخازيه. وبالتالي، إما الاستمرار بالاتجاه نحو الهوة مدفوعاً بالخراب المالي وانهيار المؤسسات والفقر المتزايد، والفساد المستشري في ظل استمرار سيطرة الطبقة السياسية الفاسدة على الحياة السياسية وعلى مؤسسات الدولة ومقدراتها، أو بدء التعافي ولملمة كل الجراح العميقة والذهاب نحو حكومة حيادية وفق رؤية سياسية حرّة قائمة على المواطنة والكفاءة والعدالة، وبعيدة عن الطبقة السياسية الفاسدة، وعن تشنجات الطائفة والمذهب والمحاصصات والولاءات الحزبية.