المعارضة السياسية في الإسلام .. التصحيح المعرفي

19 يناير 2021
الصورة

(كريستيان سركيس)

+ الخط -

لا تزال كارثة تحرير المفاهيم الإسلامية في كلا الجانبين، في مدراس التراث والاتجاهات الدينية، أو الاتجاه العلماني الراديكالي الإقصائي، تؤثر على حرية القراءة المعرفية للإسلام. ليست هذه القراءة خاصة بالمسلمين، بل تتسع للعالم الجديد، وأين نجد في مسارات البحث الفلسفي مساحاتٍ يؤسّس عليها معيار أخلاق ونماء وسلام للبشرية، ومعادلة صناعة قيمية للدولة المدنية. تضمن فيها المعرفة الأسس الثلاثة: المرجعية الدستورية الحاكمة والرشيدة للعدالة الإنسانية، وحرية تداول الرأي وكفالته حقوقيا، وتوزيع الثروة وحق المعيشة بين الناس بكل أعراقهم ومستوياتهم، وحق الكسب المشروع لمن يكدح في هذه الأرض.
ولو عدنا إلى تأمل أزمات العالم الجديد الإنسانية لوجدناها منحصرة في هذه الأُطر التي حين تعالج يُوقَفُ هدر الدماء والكرامة، ومآسي التجويع والمظالم السياسية الكبرى، في كل بقعةٍ تطبق فيها هذه المعايير، وحين نحدّد هذا الإطار لا نزعُم أنها نظريات تتحوّل إلى ميكانيكية التنفيذ بإقرارها، ولكن عبر صناعةٍ أرضية لها، في ثقافة الأفراد، وفي تجربة المجتمعات الإنسانية. ومعارضة الطرف العلماني الراديكالي الاعتراف بالقراءة المعرفية للإسلام، لتوضيح الإطار السابق، غالباً بسبب تعلقه التقليدي بالإرث الغربي، وبسبب صدمته من استدعاء الفكرة الدينية في تاريخ الاستبداد القديم، وأحيانا تتحوّل الصدمة إلى حالةٍ مرضية، لا يستطيع أن ينفكّ منها المثقف، بالضبط كما هو ابن الوعظ والتوجيه الدعوي، لا يستطيع أن يفهم أن الإسلام كليات مقاصدية. وأن ترديده الإسلام هو الحل مصطلح إيماني غير متعبد بتطبيقه، من دون نظم ولا قوانين ولا ضوابط، بل ولا مفاهيم تنظم علاقات أبناء الوطن المختلفين عقدياً وسياسياً، في إطار حقوقي وطني جامع، لا مسيرات هتافات عاطفية لتجمعات دينية، فشلت في وعي أول قواعد التأسيس المدني المعاصر الضرورية، لإعلان قيام الدولة الوطنية.

نجد من التراث الفقهي، ومن تحرير فقه السلف السياسي، ومن المتأخرين أنفسهم، قواعد وفتاوى وشذرات، ترفض فقه الاستبداد الذي تواطأ على صناعته بنو أميّة

على الرغم من أنها دولة ضمتهم عقودا، ويحملون جنسياتها، ويطبقون قوانين مستبدّيها، ولكن لا يؤمنون بالقدرة على صناعة ميثاقٍ سياسي، يُشكلهم في إطار وطني وإنساني أفضل، بحجة أن الإسلام لا يُجيز ذلك، في حين توجبها مقاصد الشريعة، لو ألقى لها العاقل السمع وأحيا القلب وهو شهيد. وتعود اليوم إشكالية التاريخ نفسها التي غرق فيها الماوردي وغيره، واستنسخها الفكر الإسلامي العاجز، في حين نجد من التراث الفقهي ذاته، ومن تحرير فقه السلف السياسي، ومن المتأخرين أنفسهم، قواعد وفتاوى وشذرات، ترفض فقه الاستبداد الذي تواطأ على صناعته بنو أميّة، وصولاً إلى فقهاء الجهل في تشريعات تقديس العثمانيين وسلاطينهم.
وهو يزعم أن هذا هو الإسلام، فيما التدافع السياسي وموقف الرهط الأول بمن فيهم الخلفاء الراشدون، هو مجرّد فتنة لا قيمة لها، ولا مكانة تذكر لهذه القراءة السياسية لعهودهم، وإنما مدخن بخور، يُردّد بلا عقل تعظيم بركتهم، من دون الاستدلال بما دار في عهدهم، وبالذات في الفكر السياسي.
ومن يزعم أنهُ يئن من الظلم اليوم تجده أسرع الناس لتزكية العثمانيين مثلاً، وإنهم خير من مثّل الإسلام، أو ما فعله بنو أمية أو حتى بنو العباس، ودُرجَ عليه أنهُ فقه أهلُ السُنة، في فرية عظيمة على الإسلام، وإن كان زغلُ تلك العهود وكوارثها مما يشيب منه الولدان حين يُقرأ الهذر الآثم، لفقهاء الاستبداد.

عمر بن عبد العزيز لم يقم محاكم عقائدية للخوارج، كما فعل بنو أمية وبنو العباس والعثمانيون، في مطاردة واغتيال دعاة الإحياء الإسلامي

ثمّة حوار الخليفة عثمان بن عفان واشتباكه مع المعارضة السياسية بالجدل الشرس، قبل أن يتحول بعضها إلى مسلحة، ارتكبت جريمة آثمة بذبحه على مصحفه، وهو زعيم الدولة الكبرى في العالم، ومع ذلك لا يزال يدفع عن نفسه سياسياً، ويُقرّ في بعض ما يُنقل عنه صحة قولهم، وتلك المساحات الضخمة لموقف الإمام علي، وما نقل في التراجم والطبقات، عن الحوار السياسي المهم، خصوصا في فهم دور بني أمية في تزوير الحكم الإسلامي، وبني العباس في فجور مذابحهم وظلمهم. .. وكلها أحداث كبرى شهدت تعليقات، من فقهاء متقدّمين وبعض المتأخرين، نصّت على حقيقة الجور الذي حاول التسرب إلى العهود الراشدة، ثم تمكّن، وبنيت عليه أحكام سياسية مزيفة، أُعيد انتاجها لصالح الانحطاط العثماني والاستبداد العربي، وغُيّرت معالم الحرية السياسية في الإسلام كليا، ليخرج اليوم من يعاني من بطش المستبدّين من الجماعات الدينية، بمدوّنات مسيئة، تعيد تشريع جذور الاستبداد الذي جُلدوا وصُلبوا به. وذلك كله يؤكد حقيقة كبرى، في اختطاف فكر التدافع السياسي في الإسلام، ومساحة الحرية فيه، والذي تضمّن وصفاً فقهياً مختلفاً، بل ومواقف كان من أبرز من تصدّرها الإمام أبو حنيفة في دعمه المعارضة السياسية، لكن عملية تواطؤ خطيرة جرت لتبديل فقه الحريات السياسي في الإسلام.
اعتمدت ثلة المُغَيِبين والرافضين لفقه الحريات على ثلاثة طرق لإسقاط إعادة فهم هذه المواقف والأحكام، في جدل الخوارج، وهو خروجٌ سياسيٌّ في بعض مساراته، وإن تطرّفت جماعات منهم، أو أسس عليه منظومة انحراف عقدي، فجدلهم مع الإمام علي، وحتى مع عمر بن عبد العزيز، شهد ما يشبه الإجماع على تعظيم الحرية السياسية، وحق المناداة، بل وتبنّي عزل حكام الجور والظلم، فكانت أول خطوات التضليل تحويل الخلاف السياسي إلى خلاف مذهبي، وهي لعبة مارستها كل تلك الدول السلطانية، بغض النظر عن المراحل، والجوانب الإيجابية في رحلتها ورحلة حكامها. وعليه، دمغ صاحب الموقف أو الاتجاه السياسي، بمذاهب (بدعية) محاربة للسُنّة، هو جسر تكتيكي للبغي، لا عليهم فحسب، بل على كل من آمن بموقفهم السياسي من خارج مجموعتهم.
لاحظ هنا أن عمر بن عبد العزيز لم يقم أي محاكم عقائدية للخوارج، كما فعل بنو أمية وبنو العباس والعثمانيون، في مطاردة واغتيال دعاة الإحياء الإسلامي الذين نادوا إلى الرجوع إلى مقاصد الشريعة في الحريات السياسية والحقوق المدنية، ومساحة المباح للأفراد، بل العكس، مضى معهم في احتجاجاتهم السياسية في المظالم وأقرّها أمامهم، ونفّذ ما استطاع منها.