المخلب التركي في العراق وسورية

المخلب التركي في العراق وسورية

02 ديسمبر 2022

آثار قصف تركي على تل رفعت شمال حلب (27/11/2022/Getty)

+ الخط -

تخطو تركيا خطوة كبيرة باتجاه إقامة منطقة عازلة بعمق 30 كلم على الحدود الجنوبية مع سورية، ويبدو من التطورات الميدانية في الأسبوعين الأخيرين أن ميزان القوى بدأ يميل لصالح أنقرة التي درجت على القيام بعملية واسعة كلما أحسّت أن حزب العمال الكردستاني عاد إلى المشهد بقوة، ولذلك أطلقت، في العشرين من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، عملية عسكرية هي الأوسع منذ "نبع السلام" 2019، في إطار ما أسمته "مخلب السيف"، وشملت سلسلة من الضربات الجوية والقصف المدفعي المتواصل ضد مواقع الحزب في شمال العراق، ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرقي سورية. وتهدف العملية إلى تحجيم "الكردستاني" عسكريا، وإبقائه في حالة دفاعية.

وفي سياق كل عملية عسكرية، تجسّ تركيا نبض الأطراف الدولية والإقليمية، صاحبة المصالح والحضور العسكري في كل من سورية والعراق، وهي روسيا والولايات المتحدة وإيران، وتعمل على تحقيق أهدافها من دون مواجهة معها، وقد تلقت ضوءا أخضر من واشنطن في عملية أكتوبر/ تشرين الأول 2019 التي أطلقتها في شمال شرقي سورية، لكن الأمر غير وارد اليوم، لأن الرئيس جو بايدن، على عكس سلفه دونالد ترامب، في ما يخص الموقف من قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي دعمها منذ بداية وصوله إلى البيت الأبيض، وهذا ما يفسّر التوتّر الحالي بين واشنطن وأنقرة بسبب الضربات التركية التي أصابت مواقع "قسد"، وألحقت بها خسائر مهمة، بما فيها التي تقع على مسافة قريبة من نقاط تمركز القوات الأميركية. وعلى ما يبدو أن الطرف الأميركي تعاطى مع هذه المسألة على نحوٍ يختلف عن السابق، وسارع للضغط على "قسد"، وتقدّم بمبادرة تهدئة يشرف عليها منسّق شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، بريت ماكغورك، والمهم فيها أنها جاءت بعد لقاءات بين واشنطن وأنقرة التي طرحت شروطا لإلغاء العملية العسكرية البرّية المرتقبة. وتطالب تركيا بتطبيق بنود اتفاق أكتوبر 2019، والذي يتضمّن انسحاب "قسد" بشكل كامل بعمق 30 كم جنوب الحدود التركية، بما في ذلك منبج، عين العرب، وتل رفعت، ووقف نشاطات "العمّال الكردستاني" وإنهاء وجود عناصره على طول الشريط الحدودي.

وعلى الجبهة التركية الروسية، تبدو أنقرة مصرّة على العملية رغم انتقادات موسكو، ولذلك استأنفت القصف بعد دورة اجتماعات أستانا، في الـ22 من الشهر الماضي، وحضرتها وفود الدول الراعية في سورية، تركيا، إيران، وروسيا ووفدا النظام السوري و"الائتلاف الوطني"، وكانت بعض التقديرات ترى أن اللقاء قد يواجه الفشل في أسوأ أحسن الأحوال، بسبب الخلاف بين أنقرة وموسكو حول عمليات القصف التركي التي استهدف بعضها مواقع للنظام. واللافت أن تركيا أعلنت أنها أبلغت روسيا بقرارها استئناف عمليات القصف، وتنتظر اللحظة المناسبة للتدخل البرّي الواسع بهدف إقامة منطقة آمنة على طول الحدود الجنوبية بعرض 30 كلم، وهذا يعني أن العملية سوف تتجاوز الوحدات الكردية إلى الاشتباك مع النظام، عندما يقترب التدخل التركي من تل رفعت ومنبج في ريف حلب.

لا يمكن إخراج العملية الحالية من الحسابات الانتخابية التركية، فحزب العدالة والتنمية الذي يواجه وضعا اقتصاديا صعبا منذ ثلاثة أعوام يعمل على تعويض ذلك من خلال تحقيق إنجازات خارجية. وكان الرئيس التركي أردوغان قد حسب هذه المسألة، وعمل خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة على إجراء مصالحات بين بلاده وكل من السعودية والإمارات وإسرائيل، وأخيرا بدأ العمل على تطبيع العلاقات مع مصر بعد لقائه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش حفل افتتاح المونديال بوساطة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد.